|
أجري الحوار- مهدي مصطفي- إلهامي المليجي
بعد أيام تحل ذكري عربية مؤلمة.. ففي صباح الخامس من يونيو1967 شنت إسرائيل عدوانا شاملا علي مصر وسوريا وفلسطين والأردن.. ساعدتها الأساطيل البريطانية والغربية في ارتكاب هذه الجريمة.. وكان من نتيجتها احتلال سيناء والجولان وفلسطين بالكامل وغرب الأردن.. فيما عرف بنكسة يونيو67, ولايزال العرب يعانون آثار تلك الحرب المشبوهة..
في هذه الحلقة من مذكرات الشيخ سنان أبو لحوم ـ الزعيم اليمني التاريخي لقبائل بكيل اليمن ـ لـ’ الأهرام العربي’ يحكي عن خلفية السنوات التي سبقت النكسة, وعن الصراعات التي دارت في يمن الثورة والوجود المصري في اليمن.. وويكشف كيف كان الانشغال المصري العميق باليمن, علي أهميته, سببا رئيسيا لنكسة يونيو67, ومن خلال كتابه’ اليمن حقائق ووثائق عشتها’ في أجزائه الأربعة يوثق الشيخ أبو لحوم سنوات الغليان في اليمن, ويكشف عن خيوط اللعبة بين القاهرة وصنعاء بعد نجاح الثورة مباشرة..
يقول:’ في هذه الفترة طلب مني السلال أن أعزم مع بعض المشايخ إلي مصر وكان متضررا من تصرفات البيضاني والقادة المصريين, وفعلا عزم وفدا من المشايخ برئاستي يتكون من21 شيخا منهم: الشيخ علي ناجي القوسي الشيخ محمد ناجي القوسي, الشيخ ناصر علي البخيتي, الشيخ ناصر محمد البخيتي, النقيب عبدالوهاب سنان, النقيب مساعد أبو غانم, الشيخ علي محسن هارون, الشيخ حامد خيران من بني الحارث, الشيخ محمد عبدالله مناع, النقيب محمد مقبل أبو رأس, النقيب درهم بن ناجي أبو لحوم, النقيب فضل بن علي مهدي, والشيخ علوي بن حسين الرصاص والشيخ محمد حسن الغشمي, ومحمد السحاري من صعدة, والنقيب ناجي عبدالعزيز الشايف والنقيب محمد بن علي الرويشان, والشيخ عسكر العزي والحميقاني وآخرين( واعتذر لمن لم أتذكرهم…’.).
وصلنا إلي القاهرة ونزلنا في فندق أطلس وكانت مجموعة من المسئولين الذين سبقونا في وفود مقيمة في فندق الكونتننتال منهم: القاضي محمد محمود الزبيري, الشيخ محمد علي عثمان, القاضي عبدالرحمن الإرياني, حمود الجائفي, العزي الفسيل, ويحيي جغمان وغيرهم’..
22 خروفا
يحكي الشيخ أبو لحوم قصة طريفة عن الشيخ القوسي وللحم القليل والـ22 خروفا.. ويقول’ في اليوم التالي قابلنا أنور السادات.. وبعد يومين قابلنا الرئيس جمال عبدالناصر في قصر القبة. طرحنا عليه بأسلوب هادئ موضوع بقاء المسئولين اليمنيين الذين أتوا بوفود, وأوقفتهم السلطات المصرية كنوع من الإقامة الجبرية. بعد يومين ذهبنا إلي مجلس الشعب, وبعد عشرة أيام تقريبا استدعانا الرئيس جمال عبدالناصر, وأثناء لقائه بنا سأل عبد الناصر الشيخ القوسي: كيف حالكم؟ فأجابه القوسي:( انتو وافيين غير اللحم قليل) فأخرجونا في اليوم الثاني إلي مديرية التحرير وقدموا لنا22 خروفا.
ويواصل الشيخ:’ قمنا بعدة زيارات للأماكن الأثرية والسياحية داخل القاهرة لأكثر من خمسة عشر يوما, قابلنا أنور السادات عدة مرات, وكنا نتابع ما يجري في الداخل, بلغنا أن الموقف في اليمن غير طبيعي, وأن الملكيين استولوا علي كثير من المناطق, الأمر الذي جعلنا نستعجل العودة, من أجل ذلك التقينا السادات في بيته بشارع الهرم قلنا له:( أنتم كرام ونحن لسنا في حاجة إلي البقاء هنا, بلادنا معرضة للخطر, وأنتم تضحون, ونحن نتفرج هذا لا يشرفنا), قال السادات:( خلاص جهزوا منكم عشرة للسفر هذه الليلة, والبقية إلي يوم الغد). تجهزنا أنا والشيخ علي بن ناجي القوسي والشيخ ناصر علي البخيتي, والنقيب ناجي عبدالعزيز الشايف وستة آخرون.
السادات علي الهاتف
خرجنا إلي المطار طلعنا كل خمسة في طائرة محملة إمدادات. أقلعت الطائرة التي تقلني حوالي الساعة الثانية عشرة ليلا, وفي الساعة الخامسة صباحا, هبطت بنا الطائرة في مطار ألماظة, كنت أعتقد أننا نزلنا في مطار الحديدة. سألت هل نحن في الحديدة قالوا: أنت الشيخ سنان: قلت: نعم. قالوا أنتم في القاهرة وعند خروجنا إلي الصالة, طلبوني وقالوا السادات علي الهاتف يريد أن يتحدث معك, تحدث السادات وقال: المعذرة يا شيخ سنان فقد وصل توجيه من المشير عبدالله السلال بأنه تم تعيينك سفيرا لليمن في الصين, قلت خير وهذا ما كان يسعي إليه. أخذ الشيخ علي بن ناجي القوسي السماعة من يدي وقال للسادات( عبتوا فينا يا عيبان, وإحنا ضيفان, ولا قدرتوا الوفاء, وإذا أنتم تريدون لسنان المكيدة, هو أحرص من غيره علي الثورة وأنتم فشلتم) فرد عليه السادات: سنتفاهم فيما بعد.في الصباح زرنا الإخوة المقيمين في فندق الانتركونتننتال, كان رأيهم أن نتحلي بالحكمة. بعد يومين استدعانا السادات وقال لي: أنت خلاص سفير, وانصح المشايخ بأن يقوموا بجولة إلي جنوب مصر لزيارة الأقصر وأسوان والسد العالي, رفض الشيخ علي ناجي القوسي والشيخ ناصر علي البخيتي, أما نحن فقبلنا الدعوة, لأن الزبيري والشيخ محمد علي عثمان, أقنعونا بذلك.في هذا الظرف, وصلتنا أخبار بأن أرحب تغلبت علي الموقف وأفسدت كلها وامتد التمرد إلي بني الحارث.
عودة ومواجهة
بعد أن يروي الشيخ أبو لحوم عن زيارة القاهرة وما جري فيها, يقول: استطعت العودة إلي اليمن علي نحو ماذكرت في الحلقات السابقة.. وفي اليمن جرت مواجهة بين رجال الثورة والملكيين:’باشرت العمل لجمع قوة شعبية لمواجهة الملكيين في وادي السر والجبال المحيطة به, وأغلبهم من الجدعان, وفي هذا الظرف لم أجد في صنعاء غير15 شخصا من آل أبو لحوم, فأرسلنا إلي المخادر وحبيش, ووصلتنا مجموعة كبيرة من أفراد الأ سرة وغيرهم من أبناء محافظة إب, وبعض الأفراد منهم. جهزنا الجميع مع الإ]وة علي أبو لحوم, ومحمد أبو لحوم, ودرهم أبو لحوم, وأحمد منصور, وكل أفراد بيت أبو لحوم الموجودين في صنعاء, ليتجهوا إلي وادي السر في بني حشيش, وكان يوجد هناك في غضران الحاج عبدالله الجائفي وأخيه العقيد علي الجائفي, ومع مجموعة من الجيش النظامي, ومن صنعاء خرج أيضا العميد الشريف عبود مهدي وأخوه زبن الله ومعهما مجموعة.
تقدمت القوات نحو الجبل الذي يقع شمال غضران واحتلته مع الفجر, فانقسمت إلي مجموعتين, منهم من احتل الجبل ومنهم من توجه إلي الوادي.
توقف زحف الملكيين, فالوضع في وادي السر يختلف عن أي منطقة لأن الموانع كثيرة لوجود بساتين العنب المسورة…
معركة في صرواح
يقول الشيخ أبو لحوم لقد قمت بدور مسئول في فك الحصار عن القوات المصرية في صرواح ويحكي بالتفصيل:’ بعد عيد الفطر بأسبوع( شهر مارس1963 م) أرسل لي المشير عبدالحكيم عامر, سيارة مصفحة مع العقيد محمد الأهنومي, لأصل فيها إلي صنعاء لمقابلته, وكانت للمصريين قوة عسكرية بقيادة المقدم أحمد عبدالله, محاصرة في صرواح لأكثر من أربعة أشهر, تصل إليهم الإمدادات بالطائرات طوال مدة الحصار, وفي نفس اليوم الذي استدعاني فيه المشير عامر, كانت قد أرسلت طائرة تموين للمحاصرين, فأسقطها الملكيون من قبائل جهم.عندما التقيته قال لي: يا شيخ سنان أنت بيضت وجهي, وهذا واجبكم وفي بلدكم, وأنا عندي أحد أولادي في صرواح محاصر مع القوة, وقد أحرق الملكيون لنا اليوم طائرة وأخشي أن تتعب القوة, فهل لديكم رأي أو وسيلة لإنقاذ الموقف, لأنني أعرف أن لك وجاهة ومعرفة بالناس. قلت له: أنا مستعد أنزل بمفردي ومعي مرافق فقط. قال: ألا تحتاج إلي قوة, أليس عليك خطر؟ قلت: لا خطر علي من جهم, إذا تمكنت من الوصول إلي أرضهم وعرفوا بوجودي.. أطلب فقط طائرة تنزلني, وإذا رأيت خطرا علي الطائرة سأعود. وفي نفس اليوم كلفت الأخ النقيب درهم أبو لحوم بالتوجه إلي حريب للاتصال بجهم, وحصلت إرباكات.
ركبنا بالطائرة وكان يرافقني علي بن سعيد قعفة( ابن خالي) وعند هبوطها قفزنا بسرعة, وأقلعت في الحال. سألت الجنود المصريين عن المواقع التي تهاجمهم وكانت كثيرة وأقوي هجوم يأتيهم من الجهة الغربية.
رفع علي بن سعيد غترته( الصماطة) علي رأس بندقيته, و توجهنا صوب مواقع جهم. وعندما قربنا منهم عرفوا من ملابسنا أننا يمنيون, وسيرنا طبيعي, تقافزوا من المتارس, وعندما عرفوا أنني القادم استقبلونا بحفاوة, وكان المصريون يراقبونا بالمنظار علي مسافة لا تزيد علي3 كم, وعندما وصلنا إلي جماعة جهم توقف إطلاق النار في كل المواقع. تركت جهم بعض أفرادها في المواقع التي تحتلها ونقلونا إلي محلات البدو, وخلال ساعتين تجمع لدينا أعداد كبيرة وتحدثنا معهم وقلنا لهم: أنتم أول من رفع راية العصيان في اليمن علي الإمام, وكان لكم الأسبقية في مقارعته, وتحملتم من المتاعب, والأضرار والدمار, والسجون والتشرد ما لم تتحمله أي قبيلة في اليمن, واليوم ترجعون عن مبادئكم ومواقفكم!, وإذا كان لكم مأخذ علي الجمهورية بسبب قتل الشيخ أحمد بن علي الزائدي ومن معه, فخسارتي فيه أكثر منكم, وهو أقرب الناس إلي, وقتله كان بالمصادفة وليس متعمدا, والبلد فوق الجميع, والتاريخ لن ينسي, وأنتم لا تضيعوا ماضيكم, وتضحياتكم, ولو انتصر بيت حميد الدين لرجعنا حيث كنا, وشرحت لهم ما نالني من المتاعب والإهانات في مصر, وما تحملته من مشاق ومع ذلك لم أغير مبدئي…
يقول الشيخ نجحت في استمالتهم:’ تجاوب معي الكثير منهم وقالوا: نحن نعرف موقفك منا وصداقتك لنا دامت عندما ضاع أصدقاؤنا في الشدائد عندما تقدم علينا الإمام, ونحن لن نخالف ما تراه وإذا كان لبعضنا رأي مخالف سنتفاهم معهم بحضوركم.
دعوة غداء
اتفقنا علي أن نتغدي عندهم في اليوم الثاني, ونعزم قائد القوات المصرية المحاصرة, رحبوا وقالوا: لو جاء جميعهم معك فهم في وجوهنا.
أرسلت رسالة للقائد مع علي بن سعيد, أخبرته بما حصل ودعوناه للغداء باسمهم مع من يحب من قواته.
في صباح اليوم التالي أرسلت له علي بن سعيد مرة أ خري ومعه أربعة من جهم وقلت له في الرسالة, إذا لديك شك, فليبق الأربعة في المعسكر حتي تعود.
وصل إلينا المقدم أحمد عبدالله, بعد أن استأذن من المشير عامر, ومعه نحو عشرين من جماعته, والأربعة المرسلين من لدينا, وقبل أن يعود, دعانا إلي الغداء في اليوم التالي, وذهبنا إلي المعسكر ومعنا حوالي70 شخصا من جهم, وقد أرسل الغداء من صنعاء علي طائرتين. تخلل الاجتماع بعض النكت حول المعارك بين الطرفين والغزوات والتسللات, وقد اعترف لي أهل جهم بأنهم لم يشاهدوا أصلب من هذه المجموعة وأشجع من قائدها.
بقيت حوالي ستة أيام لمواصلة الحوار مع من يتوافد من جهم ممن لم يحضروا الاجتماع, أما المشير عامر فقد أتصل بي وقال:( سامحني أنا مضطر للسفر, وأنا ممنون لك جدا, وسيكون لقاؤنا قريبا, وقد رتبت كل ما يلزم لمن سيصل معكم من جهم, وسيأخذون برأيك, وإنشاء الله سيتواصل جهدك وتعاونك في مناطق أخري).
انفك الحصار عن القوات المصرية وبقيت في مواقعها, وطلعت إلي صنعاء مع أكثر من70 شخصا من مشايخ وأعيان جهم, استقبلهم المشير عبدالله السلال وألقي فيهم كلمة قال فيها:( يا إخوان قد لا نعتب علي الآخرين ولكننا نعتب ع
|