<!-- Free Space--> السفير طه الفرنواني يواصل شهادته النادرة عن التطرف الصهيوني:
شاركت في صياغة قرار تأميم قناة السويس
السبت 26 / 4 / 2008 <!-- Article date --> <!-- Dot Seprator --> <!-- Free Seprator -->
مهدي مصطفي
يواصل السفير طه الفرنواني, رئيس اللجنة المصرية لشئون فلسطين في وزارة الخارجية شهادته النادرة عن خبايا وأسرار التطرف الصهيوني, كاشفا أدق الأسرار كشاهد عيان علي حقبة زمنية هي الأخطر في تاريخ المنطقة والعالم, وكيف أن التطرف الصهيوني واللواء اليهودي في الجيش البريطاني الذي أسهم في نكبة48 هو نفسه الذي أشعل حريق القاهرة في26 يناير1952, محاولا كسر إرادة مصر في الاستقلال وطرد الاحتلال البريطاني, فبعد فشل سيناريو ذلك الحريق المشبوه, ونجاح ثورة يوليو1952 بدأ التطرف الصهيوني في لعبة خطيرة, وهي محاولة عزل مصر عن مجالها الحيوي في المنطقة لسهل الانقضاض عليها.
كانت المقاومة المصرية في مدن القناة وفي القاهرة قد بدأت تربك حسابات البريطانيين في مصر, وبدأ الشارع المصري مستعدا للتضحية التامة من أجل الاستقلال, وعندما نجح الضباط المصريون في ثورتهم علي الأوضاع الداخلية الفاسدة, كما أشاروا في مباديء الثورة الستة وقد خلت من أي اهتمام بقضايا خارجية, حاول بن جوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل أن يلعب لعبة خبيثة بـ' أنه لا يوجد أي سبب للنزاع بين مصر وإسرائيل ولا توجد أسباب سياسية أو اقتصادية لاستمرار النزاع بينهما' كما يشير السفير الفرنواني إلي تلك اللعبة الإسرائيلية المكشوفة.
تصريحات بن جوريون قالها أمام أعضاء الكنيست الإسرائيلي في أغسطس1952, أي بعد مرور شهر واحد من قيام الثورة, وكانت أمريكا وبريطانيا قد حاولتا التوصل' إلي تسوية سياسية بين القيادة المصرية وإسرائيل فأعدتا مشروعا أطلقتا عليه' خطة ألفا', يقضي بإدخال تعديلات علي خطوط هدنة1949, أي أن المصالح الإسرائيلية كانت في قمة الأولويات البريطانية الأمريكية, فبدأ الضغط علي عبد الناصر للدخول في أحلاف عسكرية, كما يقول السفير الفرنواني:' مقابل مساعدات أمريكية عسكرية واقتصادية لمصر, وإيجاد تسوية سلمية للصراع العربي الصهيوني, إلا أن عبد الناصر لم يوافق علي العرض الأمريكي لرفضه سياسة الأحلاف'.
لكن لماذا لم تنظر الثورة في بدايتها إلي الخطر الصهيوني؟
يقول مؤلف خبايا وأسرار التطرف اليهودي علي لسان محمود رياض أمين عام جامعة الدول العربية الأسبق: لم تكن لدي عبد الناصر عند قيادته لثورة يوليو خطة محددة بالنسبة للسياسة العربية الدولية, ولكنه كان يؤمن بأن تحرير مصر مرتبط بتحرير الدول العربية, وأن مسئولية الثورة هي إجلاء القوات البريطانية من قناة السويس'.
وهنا يقول السفير الفرنواني نقلا عن حوارات مع الرئيس الراحل أنور السادات الذي كان وكيل مجلس الأمة في عام1957: كان الخط العريض للسياسة المصرية في بداية الثورة هو إنهاء الاحتلال البريطاني وتحقيق الحرية لمصر والدول العربية ومقاومة النفوذ الأجنبي بالمنطقة واتباع سياسة الحياد بين الغرب والشرق والابتعاد عن الأحلاف'.
أما عن علاقة الثورة بالولايات المتحدة, يقول الفرنواني نقلا عن حوار مع علي صبري:كان رجال الثورة قد اتصلوا بالسفير الأمريكي كافري عن طريق علي صبري مسئول مخابرات الطيران للاتصال وصديق الملحق العسكري الأمريكي قبل إعلان الثورة بهدف تحييد أمريكا للإنجليز من أي إجراء ضد الثورة, وأن السفير كافري قام بجهود كبيرة لتضييق الخلاف بين مصر وبريطانيا في مفاوضات الجلاء ونجح في إقامة علاقات طيبة مع رجال الثورة
لكن التطرف الصهيوني لم يترك الثورة في حالها وحاول جرها إلي معارك لم تكن وضعتها في خطتها علي الأقل في تلك المرحلة المبكرة, حيث دفع أمريكا ودول الغرب إلي عرض موضوع رفض مصر مرور السفن الإسرائيلية في قناة السويس علي مجلس الأمن الدولي لإصدار قرار السماح لهذه السفن بالمرور.
كانت المفاوضات جارية في ذلك الوقت بين مصر وبريطانيا للتوصل إلي جلاء الأخيرة, فاستغل التطرف الصهيوني تلك المفاوضات, وحاول عرقلة إنهاء القواعد البريطانية من مصر لأهميتها القصوي له, فراح يؤلب بريطانيا والغرب علي مصر في موضوع مرور السفن الإسرائيلية, وكانت المفاجأة أنه:' برغم حجج مصر القانونية في رفض مرور السفن والبضائع الإسرائيلية في قناة السويس وفقا لمعاهدة1888, فإن مجلس الأمن بتأييد من أمريكا ودول الغرب, ساند الرأي الصهيوني وأصدر قراره في29 مارس1954 بالسماح للسفن الإسرائيلية بالمرور في قناة السويس'.
ورفض مصر لأنها في حالة حرب مع إسرائيل وهنا:' حاولت أمريكا مع التطرف الصهيوني دفع قادة بعض قادة اتحادات عمال النقل البحري للموافقة علي قرار صهيوني بشأن مقاطعة اتحادات عمال النقل البحري للسفن المصرية في الموانيء الأجنبية, كرد علي قرار مصر بمنع مرور السفن الإسرائيلية في قناة السويس, وبدأت بتنفيذ هذه الخطة بمقاطعة تفريغ السفينة كليوباترا في الموانيء الأمريكية'.
رجل المهمات الصعبة
كان السفير الفرنواني قد أصبح دبلوماسيا في الخارجية المصرية, وبدأ دوره الكبير في مهمات صعبة سوف تستمر إلي سنوات, وتكشف للمرة الأولي للقراء العرب, يروي الفرنواني أنه قام باتصالات مع المسئولين في اتحادات عمال النقل البحري في الدول البحرية للحصول علي تأييدهم لوجهة نظر مصر, الأمر الذي أدي إلي رفض الاتحاد الدولي لوجهتي النظر الإسرائيلية والأمريكية', وكان الفرنواني قد اتصل بسكرتير عام اتحاد عمال النقل البحري وأعضاء اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي.
الفرنواني وعبد الناصر
وضعت بريطانيا شروطا للجلاء لم توافق عليها مصر, فتوقفت المباحثات, وبدأت المقاومة الفدائية في مدن القناة فعادت بريطانيا إلي المفاوضات واتفقت مع مشروع هذه المعاهدة علي ضباط القوات المسلحة في نادي الضباط بالزمالك في سبتمبر1954, وقرأ صلاح سالم نص المشروع, وهنا وقف الضابط الفرنواني الذي كان لا يزال ضابطا في القوات المسلحة وتساءل عن خطورة بند ورد في ذلك المشروع, يسمح بعودة القوات البريطانية لقواعدها في القناة في حالة الحرب أو التهديد بالحرب ضد إحدي دول الشرق الأوسط, يتعارض مع مطالب مصر في الجلاء الكامل والنهائي عن مصر وعن القواعد في قناة السويس, وأن هذا البند يتيح بالتواطؤ مع إسرائيل, وهي إحدي دول الشرق الأوسط,بالادعاء بوجود تهديد بالحرب ضد إسرائيل أو تركيا, الأمر الذي سيتيح لبريطانيا الفرصة للعودة لاحتلال مصر ثانية متذرعة بالتهدييد'.
وهنا تدخل عبد الناصر وذكر أن البريطانيين مصممون علي هذا النص وأنهم يرفضون أي تعديل وإلإ فإنهم لن يوقعوا علي المعاهدة, واستطرد عبد الناصر بأن السماح بعودة البريطانيين أو عدمه يرجع إلي موقف شعب مصر وضباطه وجنوده ووقوفهم وقتئذ في وجه هذه العودة بالأرواح والدماء, وأننا نعد بألا نعطي لبريطانيا أو لإسرائيل أية حجة لتنفيذ أغراضهم, وقد وافق المجتمعون علي مشروع المعاهدة, وقامت مصر بالتوقيع عليها في أكتوبر1954 وتم الجلاء البريطاني عن مصر في18 يونيو.1956
في اليوم التالي لهذا الاجتماع استدعي عبد الناصر الفرنواني للقائه في مجلس قيادة الثورة لمناقشته بشأن اجتماع نادي الضباط ومحاولة معرفة عما إذا كان هذا الرأي يتردد بين ضباط القوات المسلحة. فقال الفرنواني لعبد الناصر بأن استفساره تلقائي من ضابط عامل تلقائي دون أي ارتباط بأي من الزملاء بهذا الشأن وأنهم يؤيدون الاتفاق ويباركون الاتفاقية, بعد ذلك وقعت تلك الاتفاقية في أكتوبر1954,
بعد الجلاء دخلت مصر منعطفا آخر, ولكن التطرف الصهيوني أعد العدة للانتقام, ساعدت أولا حركات التحرر العربي من الخليج للمحيط, وعارضت حلف بغداد, مما أوجد الضغينة لدي بريطانيا وفرنسا, الأولي بسبب حلف بغداد والثانية لمساعدة مصر حركات التحرر في دول المغرب العربي, تونس والجزائر والمغرب, وكان الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين قد أكد للسفير الفرنواني في لقاء جري بينهما عام1957 علي دعم مصر للجزائر بالسلاح, مشيرا إلي أن واقعة القبض علي السفينة اليونانية أتوس في ميناء سبتة الإسباني شمال المغرب واعتراف ربانها بأن مصر استأجرتها لنقل الأسلحة والمؤمن للسواحل الجزائرية, وأنه تم كشف العملية بعد وصول معلومات من عميل للتطرف الصهيوني في الإسكندرية بمتابعة مثل هذه العمليات وإخطار جهاز الموساد الإسرائيلي والمخابرات الفرنسية كذلك..جري وقائع هذا الحديث بين السفير الفرنواني والرئيس بومدين في حضور الدكتور الخطيب, الذي كان قائدا لجيش التحرير المغربي مع المؤلف, كما أشار بومدين إلي حادثة أخري وهي مصادرة مليون دولار كان قد حولها اللواء المصري شديد بمساعدة السكرتير الثاني حسين يسر في أحد البنوك البلجيكية في طنجة, وتم تسليم المبلغ للمخابرات الفرنسية الأمر الذي أدي إلي تزويد فرنسا لإسرائيل بطائرات الماستير التي كانت مخصصة لدول حلف الناتو واستخدمتها إسرائيل فيما بعد في عدوان.1956
رواية نادرة
يصل السفير الفرنواني إلي أهم محطة في النصف قرن الأخير, وهي عدوان56 علي مصر, بعد أن كان التطرف اليهودي قد مهد الأرض, يقول': أصدر بن جوريون تعليماته إلي موشيه ديان بالقيام بهجوم واسع علي قطاع غزة الفلسطيني والذي تشرف علي إدارته مصر مع الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية الفلسطينية, وذلك يوم28 فبراير1955 مما أدي لاستشهاد38 من العسكريين المصريين ومئات الجرحي والشهداء المدنيين المصريين والفلسطينيين'.
انتدب عبد الناصر الفرنواني الضابط في ذلك الوقت, باعتباره أحد الضباط المؤهلين والحاصل علي خبرة عالية وعلي فرق حديثة في المقاومة واستخدام الأسلحة خصوصا الهاون لتدريب الشباب الفلسطيني علي أعمال المقاومة والأعمال الفدائية ضد المستعمرات الصهيونية في الأرض المحتلة, وهنا تقابل الفرنواني الضابط مع العقيد مصطفي حافظ.. وقد قامت هذه المجموعات الفدائية بأعمال بطولية في الأرض المحتلة.. فقام التطرف الصهيوني بمتابعة نشاط العقيد مصطفي حافظ, وأرسل إليه طرد متفجرات في13 يوليو1956, انفجرت محتوياته واستشهد العقيد مصطفي حافظ.
وبدأت معركة حقيقية.. قدم التطرف الصهيوني وثيقة للغرب وأمريكا عن سياسة مصر المعرقلة للنفوذ الغربي, وخطورتها علي مصالح الغرب, فصدق الغرب وانجر إلي العدوان علي مصر, ولم يوافق البنك الدولي علي تمويل السد العالي بضغط من أمريكا وبريطانيا, وهنا بدأت كما يروي السفير الفرنواني إدارة الأمريكتين بالخارجية المصرية والمسئولة عن علاقات مصر بدول أمريكا الشمالية والجنوبية, وأعضاؤها ثلاثة منهم الفرنواني بإعداد وصياغة مذكرة فورية, جاء من ضمنها ضرورة تأميم قناة السويس, وبالفعل وافق عبد الناصر علي هذا المقترح وأعلن عن تأميم شركة قناة السويس في26 يوليو1956, بعد أن كان عبد الناصر قد شكر إدارة الأمريكتين علي هذا المقترح الذي سيصبح فيما بعد بداية ونهاية تاريخ.
الحلقة القادمة
أسرار من اليونان وإفريقيا.. ومفاوضات السلام
كتبها مهدي مصطفى في 10:51 صباحاً ::
لا يوجد تعليق
الاسم: مهدي مصطفى
