كولن مورفي: الولايات المتحدة تسلك درب الامبراطورية الرومانية قبيل سقوطها
الشرق القطرية : : 2007-12-24 - 08:53:21
كولن مورفي: الولايات المتحدة تسلك درب الامبراطورية الرومانية قبيل سقوطها
الشرق القطرية
واشنطن - أحمد محسن :
تؤرخ الكتب للمجتمعات التي تصدر فيها، فحين يناقش كتاب قضية ما فإنها تتصل باللحظة التي يعيشها ذلك المجتمع، أو انها تكتب من وجهة نظر من يعيشون تلك اللحظة ويفكرون بمنطقتها. حتى الكتب التي تتناول حقبة معينة من التاريخ ولو كانت قد مرت قبل قرون تعكس طريقة تفكير الحاضر فيما مضى.
وينطبق هذا إلى حد بعيد على كتاب كولن مورفي «هل نحن روما؟: سقوط امبراطورية ومصير أمريكا». وكولن مورفي قد يكون مفكراً قبل أن يكون صحفياً. فقد عرف في الولايات المتحدة بمقالاته التي وان كانت طويلة، بل وأحياناً طويلة جداً، فإنها تتسم دائماً بعمق فكري ومعرفة تاريخية واسعة. وقد ارتبط اسم مورفي بمجلة «أتلانتيك مونثلي» ذات الطابع النظري التي عمل فيها 17 عاماً قبل أن يصبح رئيس تحريرها عام 2002م.
وحين يكتب مورفي فإن قرأه يتوقعون كتاباً صعباً، أو بالأحرى «كتاباً سهلاً» إلا ان كتابه الأخير هذا لم يكن صعباً، بل كان سهلاً دون أن يفقد ثراءه وعمقه. فضلاً عن ذلك فإن الموضوع الذي أثاره مورفي بهذا الكتاب أثار نقاشات واسعة، ومازال يفعل، بين المثقفين في الولايات المتحدة.. على قلتهم.
وفي هذا الكتاب يقارن مورفي بين الامبراطورية الرومانية قبل 1500 سنة وبين الولايات المتحدة الآن. وتجدر الملاحظة هنا ان هذه المقارنة ليست جديدة، إلا انها حدثت في السابق على نحو مختلف. ففي القرن الثامن عشر كان قادة الثورة الأمريكية - يتخذون من «جمهورية روما» مثلاً في مواجهة الاحتلال البريطاني للمستعمرات الأمريكية، وهو احتلال من دولة ملكية. ولعل ذلك ما يفسر أن البيانات الحكومية الأساسية في واشنطن مثل مبنى الكونجرس والبيت الأبيض بنيت بطراز روماني. فقد كتب قادة هذه الثورة، - لا سيما توماس جيفرسون والكسندر هاملتون - كثيراً في دراسة تقاليد وأسس جمهورية روما.
ولكن الحديث الآن يدور حول امبراطورية روما وليس حول جمهوريتها، والأمر هنا ليس بطبيعة الحال أو خلطا تاريخيا أو خطأ لغويا. ذلك ان الجمهورية الأمريكية في 1776 كانت لحظة الولادة شأنها شأن جمهورية روما. أما الامبراطورية الرومانية فقد انهارت في الربع الأخير من القرن الثالث الميلادي، وبات السؤال هو: إذا كانت جمهورية روما هي النموذج الذي أوحى لقادة الثورة الأمريكية ببناء جمهوريتهم، فهل يكون انهيار الامبراطورية الرومانية هو مصير الولايات المتحدة؟
مقارنة
السؤال يبدو في ظاهره استدعاء لمقارنة سطحية، إذ ما شأن الامبراطورية الرومانية بالولايات المتحدة؟ وما علاقة عالم عام 476 - وهو التاريخ الذي يعطيه أغلب المؤرخين لانهيار الامبراطورية الرومانية - بعالم 2007؟ لكن مورفي يستبعد بعمق مألوف من أوجه المقارنة غير المقبولة ويركز على ابعاد التشابه الحقيقية في التجربتين، وهي ابعاد لم يكن الرد يدركها قبل قرأه «هل نحن روما؟».
أما سبب استدعاء هذه المقارنة التي يبرهن الكتاب انها غير سطحية في شيء فإنه يرجع إلى الحوار الدائر الآن في الولايات المتحدة حول ما إذا كان لأمريكا امبراطورية أو لا ثم حول ما إذا كانت ستنهار كما انهارت امبراطورية الأسلاف. والأمر في ذاته تاريخ لهذه المرحلة من مراحل سير الولايات المتحدة على درب الزمن، إذ ان الكتاب يؤرخ لما يقلق المفكرين الأمريكيين بشأن مصير بلادهم، وما إذا كان التاريخ يقودهم إلى حيث قاد الامبراطورية الرومانية قبلهم.
ويؤكد مورفي هذه الصلة ليس فقط في عنوان الكتاب ولكن أيضاً في مقدمته يشير إلى من يسمون في الأدب السياسي الأمريكي المعاصر «الانتصاريين» نسبة إلى الانتصار. ويقول هؤلاء إن أمريكا وصلت أخيراً وعبر مساء متعرج في الامن إلى اللجنة التي يتحتم عليها ان تواجه بشجاعة ما قادها اليه انتصارها في كل المواجهات التاريخية التي مرت عليها منذ انشائها، أما هذا الذي عليها ان تواجهه فانه حقيقة كونها امبراطورية سواء ارادت أو أبت.
ويقول مورفي «إن المقارنة بين الامبراطورية الرومانية والولايات المتحدة تستخدم إما كنفير للحشد ورفع المعنويات وشحذ الهمم واما كقصة محزنة تدعو للتشاؤم ويتوقف الامر على الفريق الذي يستخدم تلك المقارنة وعلى استخدامه لها في سياق اللحظة الراهنة من تاريخنا، وهناك في هذا السياق فريقان».
ويقول المؤلف ان الفريق الاول «يرى ان الولايات المتحدة تتصدى بوعي- قبل ان يفوت الاوان- لمسؤوليتها التي كلفها بها التاريخ حين وضعها حيث هي الآن، واساس هذه المسؤولية هي اشاعة سلام امريكي «باكس امريكانا» في عالم اليوم يشبه السلام الروماني الذي اشاعته الامبراطورية الرومانية في القرنين الاول والثاني الميلاديين».
ويعطي مورفي امثلة على هذا الفريق الاول، والامثلة معبرة للغاية، إذ انه يذكر اسماء مثل تشارلز كروتهامر وويليام كريستول وماكس بوث وهم جميعا من المحافظين الجدد، ثم يقول ان ابرز اسماء هذا الفريق هو.. جورج دبليو بوش».
أما الفريق الثاني فان المؤلف يسميه «الممتنعون»، أي أولئك الذين يدركون ان بوسع الولايات المتحدة ان تلعب دورا امبراطوريا ولكن عليها ان تمتنع عن ذلك، أو الذين يرون انها تلعب بالفعل هذا الدور وان عليها ان تمتنع عن القيام به، ويذكر في ذلك اسماء مثل تشارلز جونسون وبول كيندي، ثم يقول ان بين الفريقين اطياف اخرى ابرزها خط وسطي يقوده المؤرخ نيال فيرجسون الذي يقول ان المعطيات جميعا تفرض على الولايات المتحدة ان تقوم بدور امبراطوري إلا انها لا تمتلك الجرأة والارادة بقدر يكفي لان تلعب هذا الدور.
عدم اجماع
ويبدو من قراءة ما يقول مورفي ان المفكرين الامريكيين لا يجمعون على أمر اساسي بهذا الصدد، وهو ما اذا كانت الولايات المتحدة هي بالفعل دولة امبراطورية، اذ يقول البعض انها كذلك، ويقول آخرون انها ليست كذلك، ويذهب فريق ثالث إلى ان باستطاعتها ان تكون ولكنها لا تتمتع بالتصميم الداخلي الكافي لكي تصبح كذلك.
أما مورفي نفسه فانه ليس بأي حال من الاحوال من طائفة «الانتصاريين»، اذ ان منطق الكتاب بأكمله يذهب إلى عكس ذلك رغم انه يتجنب ان يستخدم مفردات في تعامله مع ادارة بوش من شأنه تصنيفه بصورة مباشرة على هذا النحو أو ذاك، إلا انه في حقيقة الامر من «الممتنعين» وان كان موقفه داخل هذا المعسكر يتسم بالاعتدال، إذ انه حين يعدد اوجه التشابه بين الولايات المتحدة والامبراطورية الرومانية فانه يوجه انتقادا شديدا إلى ولع الأمريكيين بالخصخصة واغفالهم لمساوئها وكراهيتهم للحكومة المركزية- أي حكومة مركزية وليس حكومة بعينها- وقبولهم بوجود آلة عسكرية هائلة الحجم تضع ثقلاً هائلا ايضا على الاقتصاد الوطني وجهلهم- المضحك احيانا- بالعالم الخارجي، وتبدو هذه المواقف جميعاً متشابهة الى« حد بعيد مع مواقف الليبراليين الامريكيين».
تشابه
ولكن هل تشبه الولايات المتحدة روما؟ يقول مورفي «عند النظرة الاولى فان التشابه يبدو كبيرا فالولايات المتحدة وروما هما اللاعبان الاقوى في عالميهما، وتتضمن اوجه القوة في كل منها الآلة العسكرية والنفوذ الناعم، اي اللغة والثقافة والتجارة والتكنولوجيا والافكار، كما ان المساحة الجغرافية لكل منهما متشابهة، وقد اعتمد المجتمع في كل من روما والولايات المتحدة على المهاجرين والقادمين الجدد، كما ان كل منهما يحتفي بصورة خاصة بالهندسة والعلوم».
إلا انه يضيف «غير ان اوجه الخلاف بين روما والولايات المتحدة تبدو كبيرة بدورها فقد استمرت الامبراطورية الرومانية الف عام اما الولايات المتحدة فلم يمض على قيامها حتى الآن 300 عاما، وقد تعاقبت المراحل التاريخية التي مرت بها الامبراطورية الرومانية جميعا داخل عصر واحد، هو عصر الحديد، اما الولايات المتحدة- رغم قصر عمرها- فقد مرت بالعصر الصناعي، ثم عصر المعلومات، ثم عصر التكنولوجيا البيولوجية «بيوتك»، وقد عاشت روما دوماً على حافة المجاعة، أما الاقتصاد الأمريكي فإنه قوي للغاية، وكان لروما عبيد أما الولايات المتحدة فقد نشأت وفيها عبيد إلا انها خاضت حرباً أهلية لتحريرهم، وقد بدأت روما كدولة - مدنية، أما الولايات المتحدة المتحدة فإنها دولة قارية، ولم يكن لدى روما طبقة وسطى، أما الولايات الم
المزيد