أحلام منظري «العراق الجديد» تتبخر أمام الصراعات الطائفية
5م
أحلام منظري «العراق الجديد» تتبخر أمام الصراعات الطائفية
كنعان مكية: رأيت في أحمد الجلبي مانديلا العراق.. غير أنه دفع البلاد صوب الحرب الأهلية علي علاوي: سأختار النظام بدلا من التحرر
الشرق الاوسط
دوكان(العراق): دكستر فيلكينس*
1. كانوا وسط تناولهم العشاء حينما تحول الحديث صوب أكثر الأسئلة إثارة للقلق. وجاء الضيوف إلى هنا لمناقشة خطط تهدف إلى إنشاء جامعة أميركية في العراق، في فيلا تعود إلى الرئيس العراقي جلال طالباني حينما برز السؤال. كان العراقيون الستة مع أميركي لبناني مجتمعين في هذه المنطقة من كردستان بعيدا عن أجواء الصخب والعنف السائدة في بغداد والبصرة. ولم يثر أي منهم أي سؤال لكنه زحف من دون إرادتهم إليهم. من بين المنفيين العراقيين الذين شاركوا في اللقاء هناك من كان مؤثرا في إقناع الأميركيين لغزو العراق.
قال برهم صالح: «ترك صدام في السلطة؟ هذا يعني تركه حرا ليستمر في القتل وحرا في غزو جيرانه وبذلك يكون حرا لتطوير أسلحته النووية؟» هز رأسه على السؤال ليضيف كلمة واحدة: «لا».
هذا ليس مزاحا يطرح في عرض دردشة أميركي. فصالح الذي هو الآن واحدا من أكثر المسؤولين كفاءة قد تعرض للسجن والتعذيب على يد جلادي صدام حسين. وقتل من أبناء قوميته الأكراد ما يقرب من 180 ألف شخص خلال حملة سماها البعض هنا بـ«حرب الإبادة».
ثم جاء دور فؤاد عجمي استاذ تاريخ الشرق الأوسط في كلية جونز هوبكينز، وهو لبناني أميركي وكان واحدا من أكثر المنظرين وراء غزو العراق. قال عجمي في أثناء تناوله لقطعة سمك: «إقناع الأميركيين بإسقاط صدام كان أجمل ساعة في حياة الجلبي»، مشيرا إلى السياسي العراقي أحمد الجلبي. وانتقل النقاش إلى سحاب من الاتفاق على الآراء حتى تكلم المثقف العراقي كنعان مكية استاذ الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في جامعة برانديز القريبة من بوسطن حينما اثار سؤالا: كم عراقيا مات منذ عام 2003؟
حل صمت حول المائدة. قال مكية متأملا: «خمسمائة ألف؟ مائتي ألف؟ كم التقديرات؟» قال مكية: «الرقم يقترب إلى صدام». ثم جلس على كرسيه واستمر النقاش.
جسدت تلك اللحظة تناقضا رهيبا في حرب العراق، التي كانت بالنسبة لمكية الشيعي العلماني من أم بريطانية والمتعلم في الولايات المتحدة، نقطة تحول في رحلته الشخصية. فهو خلال الخمس وعشرين سنة السابقة أصبح أبرز مؤرخ لجرائم صدام حسين والصوت الأكثر إقناعا لإنهاء النظام. كشف كتاب مكية «جمهورية الرعب» الصادر عام 1989 لا فقط عن طرائق حزب صدام الإجرامية في القتل بل روحه الرهيبة. وفي كتابه «القسوة والصمت» الذي صدر بعد حرب الخليج وجه نقدا شديدا للمثقفين العرب الذين دفع عداؤهم للأميركيين إلى التواطؤ لفرض صمت على جرائم صدام.
وخلال الاستعداد للحرب حاجج مكية لصالح الغزو لأن ذلك سيؤدي الى تدمير نظام شرير وإنقاذ شعب من كابوس الرعب والمعاناة. لا من أجل النفط كما كان يحاجج مكية.
وإذا كان ذلك مثاليا فإن مكية ذهب خطوة أبعد إذ حاجج بأن الغزو الأميركي للعراق قابل على فتح الطريق للديمقراطية على النمط الغربي ان ازدهرت. فسنوات الحرب والقتل تركت العراقيين في حال منحطة جدا، وحالما يتحررون سيتخلصون من السياسات العربية المستهلكة ويتلفتون إلى الغرب. قال مكية في اجتماع جرى في معهد أميركان انتربرايس في اكتوبر (تشرين الاول) 2002: «يقدم إقصاء صدام حسين للولايات المتحدة فرصة تاريخية. سيكون ذلك أكبر حدث في تاريخ الشرق الأوسط منذ سقوط الامبراطورية العثمانية». كذلك قال مكية للرئيس بوش إن العراقيين سيستقبلون الجنود الأميركيين الغزاة بـ«الحلوى والورود».
والآن تبخرت تلك الأحلام، بالطبع، حيث ذهبت مع بحر من الدماء. قوضت الكارثة في العراق فكرة التغيير الديمقراطي في الشرق الأوسط، وقوضت مبدأ التدخل الذي كان ناجحا في البلقان والذي أكد إمكانية القوة العسكرية الأميركية من تحقيق أهداف انسانية. وكان مكية والآخرون الذين برروا للغزو والذين بدوا ساذجين ومتهورين.
جعل مكية، 58 سنة، إسقاط صدام مشروع حياته ومركز رؤيته المثالية التي قادته في حياة المنفى. ومن ثانوية يسوعية في بغداد وإلى معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا ثم تبني القضية الفلسطينية حيث أصبح ماركسيا وتطلب أن يمر بطريق طويل قبل أن يتبنى فلسفة الديمقراطية وحقوق الانسان. وخلال التسعينات كتب ميثاقا لأول مبادئ ديمقراطية لعراق ما زال غير محرر. ثم قام في عام 2003 برمي كل ثقله داعما تدمير نظام صدام حسين الذي اغتصب أبناء بلده لمدة 24 سنة في حرب كانت ستجري سواء كان معها أو ضدها. قال مكية «الناس تقول لي، كنعان هذا شيء مثير للسخرية، الديمقراطية في العراق ليست سوى أوهام». قال لي مكية حينما زرته ذات يوم: «هذه واقعية».
نهض من سريره واتجه إلى النافذة. قال: «انت تعرف أن الواقعيين دائما على حق، حتى يكونون أخلاقيا مخطئين».
2. مع بدء الغزو الأميركي للعراق في ربيع 2003 بدا إسقاط صدام حسين واحدا من تلك اللحظات التاريخية التي يأمل فيها من هم في السلطة أن يقفوا معا. فهو كان شخصا شريرا قتل الكثير من أبناء شعبه إلى حد المليون وعذب وشوه الكثيرين وغزا إيران واحتل الكويت. والأكثر من ذلك ما ألحقه من ضرر نفسي بحق أبناء شعبه. مع ذلك فخلال الثمانينات عندما كانت فظائعه في قمتها لم يثر أي ضجيج عالمي. وفي عام 1989 صدر كتاب جمهورية الخوف التي كتبها مكية تحت اسم سمير خليل. وأصبح الكتاب شديد الجاذبية وبعد غزو صدام حسين للكويت وما ترتب عليه من هزائم له كشف مكية عن اسمه. وفي الطريق التقى بأحمد الجلبي الزعيم العراقي المقيم في المنفى الذي اشترى من دون أن يعرف مكية مئات النسخ من الكتاب ووزعها على الجالية العراقية في المنفى وأصبح مكية والجلبي متحدين في هوسهما بإسقاط صدام.
بعد حرب الخليج الأولى أصبح مكية القوة الفكرية وراء المعارضة العراقية وفي عام 1991 قام بأكثر من عشر رحلات إلى منطقة كردستان العراقية التي كانت تحت الحماية الأميركية ووثق حملة الإبادة التي ارتكبت ضد الأكراد على يد نظام صدام خلال الثمانينات. وحصل مكية على مئات الوثائق التي كانت أساسا لتوثيق ذاكرة العراق المكرسة للحفاظ على سجل جرائم صدام حسين.
مع اقتراب نهاية صدام حسين راح مكية يضغط أقوى من أجل كتابة دستور للعراق يكون ديمقراطيا وعلمانيا. وكتب أسماء 45 شخصية قيادية عراقية من أجل محاكمتها بجرائم الحرب. ثم تمكن من التغلب على معارضة من المؤتمر الوطني الذي يرأسه الجلبي تمكن مكية من الحصول على وعد بتحقيق عفو على المستوى الوطني لكل العراقيين الذين هم خارج دائرة صدام حسين المقربة.
قال مكية إنه العفو الذي يشكل أساسا للعراق الجديد الذي تخيله. فالفكرة ترى أن كل العراقيين تقريبا عانوا تحت حكم صدام حسين لا الأكراد والشيعة فقط بل السنة. ولهذا السبب حاجج مكية بأن الانتقام في فترة ما بعد صدام حسين سيكون غير مجد بل يجعل البلد قادرا على البقاء مستحيلا. وقال مكية: «تحت حكم صدام كانت الأغلبية من الناس موضع أذى والأذى أدى إلى تفريق المجتمع إلى ذرات وهذا يعني تدمير الهوية العراقية. لذلك فأنا أسأل نفسي: كيف يمكنني العثور على أمل في هذه الظلمة؟ على أي شيء يمكنك أن تعلق الشعور بالهوية العراقية؟» راهن مكية أن يتحول العراق مثل جنوب أفريقيا أو مثل المانيا الشرقية حيث تم تجنب عمليات الانتقام الواسعة وتجول مكية في مقرات جهاز الاستخبارات في ألمانيا الشرقية ستاسي وكان ممكنا لمواطني ألمانيا الشرقية سابقا مشاهدة ملفاتهم وكيف أن الحكومة السابقة كانت تتجسس عليهم. توقع مكية حدوث شيء مماثل في العراق بما فيها تشكيل لجنة الحقيقة تشبه ما كان موجودا في جنوب أفريقيا حيث يمكن للعاملين ضمن نظام صدام حسين أن يعترفوا بجرائمهم من دون خوف من العقاب.
لكن جنوب أفريقيا وألمانيا الشرقية هما حالتان استثنائيتان لما يقع بعد حدوث ثورات حيث أن العنف الدموي هو القاعدة. وافق على هذا الرأي لكنه اعتبر احتمال تحول العراق إلى شيء شبيه بيوغوسلافيا. العراقيون مستعدون للديمقراطية حسبما كان يرى مكية، إنهم مستعدون للغفران.
قال مكية لصحيفة بوسطن غلوب في عام 2002 «اظن أن هناك احتمالا أقل من 5% لتحقق ما أريد تحققه. لكن يبدو لي أن ذلك واجب حتى لو كان حظ الن
المزيد