في الزنازين القذرة 8 .. مذكرات ضابط جزائري فار

ديسمبر 20th, 2007 كتبها مهدي مصطفى نشر في , جزائريات, وثائق

في الزنازين القذرة 8

 
"شهادة مثيرة لضابط جزائري لاجئ هربها من وراء قضبان سجن البليدة العسكري وخفايا عن حياة وراء الشمس وأسرار العسكري والسجين السابق حبيب سوايدية التي لا يعرفها أحد"
 
بقلم: أنور مالك –كاتب وصحفي مقيم بفرنسا

 
الحلقة الثامنة
 عندها يلتحق بنا أحدهم وعرفني عليه واسمه مومن عبد الكريم من نواحي ولاية قالمة، يحمل رتبة ملازم أول ويعمل طيّارا في القوات الجوية، لا أعرف سوى أنه حكم عليه بثلاثة أشهر بتهمة خصامه مع قائد ثكنته… وكان الرجل مهذّبا وتبدو أخلاقه عالية، فرحت لوصوله حتى ينقذني من ورطة القصيدة، إلا أن يوسفي عاود من جديد تصميمه بقوله:
 
- وصلت في وقتك يا كريم… سوف يسمعنا قصيدة عن الأم…!
 
أحسست أنه لا مفر منه فرحت أقرأها له وكان مطلعها:
 
-" أمي…
 
يا أزكى حروف تنسل من فمي
 
يا أروع
 
قصيدة أحرقت دمّي!
 
كلما آويت لخيالي
 
تضاعف همّي
 
أصرخ من شدة الوجع
 
أمي… أمي
 
فأسكن من ريحان
 
يخضّب شمّي
 
إني ضمآن
 
فأحضنيني
 
ضمّيني بملء الأمومة
 
ذوّبي غمّي ".
 
وفي ختامها:
 
-" أسفاه
 
على زمن
 
يشرع أسلاكا… قضبانا…
 
وشبّاكا…
 
بيني وأمي
 
لا هي قبلتني
 
ولا أنا ذبت في حضنها لحظة
 
لأنسى أوجاعي وهمّي! ".
 
وقد كتبت ذلك في لحظات اشتقت فيها لأمي كما اشتاق الكثيرون، حتى أطمئن قلوبهم رحت أرسم بالشعر أوجاعهم وأستثني من وراء السطور آلامهم… كان محمد حزينا ومتألما حتى أبكاني شوق رأيته يتمدد خيوطا حمراء في زوايا عينيه، بدوره شاطرني كريم شجني، وانتحبت أعماقنا حتى جفّت المآقي… فعلت كلماتي فعلتها فينا بدل من أن تنسينا زادت علينا… ولم ينقذنا من الغرق في لجج الحزن التي لا تنتهي سوى فوزي بولحية، الذي التحق بنا وقد قرأ من بعيد كف ما نحن فيه من همّ، راح ومن دون أن يسألنا ليزيل من أعناقنا الأغلال، وبنكته وخفة ظله استطاع تبديد الحزن المستشري وانقشع بفضله ضباب الأسى… ضحكنا له حتى قال:
 
- هذا أفضل فالبكاء والحزن لن يخرجنا من السجن، بل يزيد العذاب عذابا ويدخلنا سجنا آخر…!
 
حينها يسحبه أحد من ذراعه وهو يقول:
 
- أعطونا فرصة معكم… فوزي هو الوحيد الذي يروّح عنّي!
 
بصراحة أن فوزي أنقذنا من نفوسنا التي سوّلت شعرا يعذبنا… وهنا يقف حبيب سوايدية بالباب وينادي على المرضى الذين لهم حقن فاغتنمت الفرصة وسألت يوسفي:
 
- هل تعرف حبيب؟!
 
أجابني:
 
- تعرّفت عليه في السجن… ولكن عائلة سوايدية أعرفها في تبسّة…!
 
- وقصّته…!
 
- والله تضاربت الحكايات وتعرف أن أغلب المساجين لا يعترفون بالحقيقة… يقولون أنه سرق سيارة بالإكراه وقبض عليه!
 
فقلت:
 
- كنّا زملاء في ثانوية مالك بن نبي بتبسّة وأعرفه منذ 1986…!
 
يوسفي وهو من طبعه لا يحب التحدث في الغير فيقول:
 
- تورّط ومن المفروض أنه ضابط ويحمل رتبة لا يستهان بها لا يليق به مثل تلك الأفعال السيئة… أخطأ ونال جزاءه عفا الله عنّا جميعا!!
 
كنّا نتحدث ونمشي وتحت حرّ الشمس الذي يصهر الحديد، ونفعل ذلك حتّى ننشّط أعضاءنا والدورة الدمويّة من شلل زنزانة لا تتجاوز مساحتها خطوات تعدّ على الأصابع… أحسست بتعب وآلمني رأسي من القيض، وكنت أتفادى البقاء تحت الحرّ كثيرا إلا أننا من خلال الشعر لم نحس بالوقت… استأذنت بالجلوس فأذن لي، أما يوسفي فراح يكمل سيره، لأنه صار يعاني من آلام في ركبتيه ولا يخففها سوى المشي، أمّا كريم فالتحق بفوزي لإكمال مسرحيته الفكاهية التي لا تنتهي… اتجهت صوب قرقاش الذي كان في زاويته التي يسمّيها محرابه يقوم بكتابة قصّته الجديدة، جلست إليه وأنا أقول:
 
- عذرا… سأقطع عليك خلوتك!
 
أجاب ضاحكا:
 
- وأنا بحاجة إليك أيها الشاعر في هذه الخلوة!
 
- قضيت وقتا رائعا…
 
فيقول:
 
- كنت مع يوسفي… إنه رجل رائع ومثالي!
 
ثم يسحب دفترا من كومات الكتب والدفاتر التي أمامه كادت تخفيه من ورائها حتى في بعض الأحيان أداعبه بأنها ستقتله كما فعلت بالجاحظ قبله… ثمّ يستأنف حديثه:
 
- هذه قصّة أرجو أن تقرأها وتسجّل لي بعض ملاحظاتك…
 
- لست مختصّا لهذه الدرجة.
 
فيرد:
 
- أعرف أنك تتواضع فقط ولكن خذها كقارئ على الأقل…!
 
- صحيح … سأفعل…
 
يقول:
 
- النقد لازم…!
 
- أؤكد لك أن الكتابة جمال والنقد مرآة للتزيّن!
 
 
 
 
 
عودة الناظر السابق… وإقالة حبيب!
 
 
 
       تحدثنا وتحدث المساجين كثيرا عن أسباب إقالة الناظر السابق وعن مصيره الذي آل إليه، ففيهم من يدّعي بوجوده بالبناية "B"، وآخرون يزعمون بأنه في الزنزانة الانفرادية، وقد عاقبه المدير عبد الحق عيسيو بسبب مخالفة نظامية تورّط فيها… كل واحد يخمّن ويعجن من تخميناته ثم ينسبها لمصدر مأذون، وما أكثرهم ممن يدعون بمعرفة خبايا الأمور حتى يجلبون الهالة لأنفسهم والاحترام المزوّق… كان العيب المباشر والواضح الذي أثار جدلا واسعا حول حبيب هو صوته المحدود وحنجرته المخنوقة، فعندما ينادي على المساجين لا يتجاوز صوته شفاهه ولا حتى لسانه، وتباينت وتضاربت التعاليق عليه والأمر الآخر الذي لم نشر إليه سابقا، بأن الناظر دائما متهما لدى المساجين وحتى الحراس بأنه عين المدير على الداخل، يبلغه كل كبيرة وصغيرة تدور بين البنايات، لذلك تجد الحراس يهابونه ويحسبون له ألف حساب… حتّى الجهوية لعبت دورها الفعال وهي العقلية التي عشعشت في السجن ولم أر مكانا استشرت فيه مثله، فتجدهم إن تشاجر سجين من الشرق مع آخر من الغرب يتوسع الخصام إلى جبهتين، فكل متشاجر ينجده أبناء ناحيته وتصبح المعركة بين جبهة شرقية وأخرى غربية… وإن تشاجر اثنان من جهة واحدة يتحول الخصام إلى ولايات حسب المسافة التي تربط بينها، وإن تعارك اثنان من ولاية واحدة فالمعركة تصل إلى الدوائر والبلديات حسب التوزيع الذي يعرفه أبناء الولاية عن منطقتهم… تعيين الناظر السابق كل المساجين يتحدثون أنه من مسقط رأس المدير وقبائلي مثله، وما إلى ذلك مما يلوكه المساجين من فرط الضيق والحصار… حتى حبيب لم يسلم أيضا ولم تبتعد الحجج عما أحاطت بسابقه إلا أنه ابن مدينته فالكل يعرف أن حبيب من تبسّة…!
 
 نحن في زنزانتنا كان لا يهمنا هذا أو ذاك، بل مجالسنا كلها للثقافة والإبداع والحديث في المستقبل، وخاصة أن قرقاش كان كله حماسة ورغبته هائلة في طباعة ونشر مؤلفاته لما يفرج عنه، بل كله تحدي في الكتابة والإبداع أكثر، وطالما حفزته بجعل الهدف ليس النشر بل الارتقاء بأسلوبه ومداركه إلى مستوى يجعله جديرا بالقداسة والاحترام… ولكن الشيء الذي لا زال راسخا في ذهني أنه كلّما ذكر حبيب أمامه استغرق في الضحك والقهقهة بصوت عالي، وإن كان طبعه كذلك إلا أنه يتميز في هذه الحالة بنبرة خاصة، وحتى كحيلة الذي يحسب من أصدقائه وكانوا لا يفترقون في الباحة له الموقف نفسه، وتظهر من ملامحه ما أراه قناعا مشوبا بأسئلة عقيمة في وجه قرقاش… ولما كان حبيب صديقي وتربطنا زمالة الدراسة من قبل ولم يأت منه ما ينغص صفو علاقتنا… سألت قرقاش مرة:
 
- ما الذي يضحكك كلما ذكرنا حبيب؟!
 
يجيب وهو مستغرق في قهقهاته:
 
- إنه مجنون… يحب الظهور ويدعي النفوذ ومعرفته بكل شيء… ليس هو الأفضل من الكثيرين حتى يعيّن ناظرا… بل هو جاهل وأحمق!
 
قاطعته:
 
- مشكلته أنه لما عين ناظرا فقط!!

المزيد


في الزنازين القذرة (7 ) .. مذكرات ضابط جزائري فار

ديسمبر 16th, 2007 كتبها مهدي مصطفى نشر في , جزائريات, وثائق

في الزنازين القذرة 7

 

 
"شهادة مثيرة لضابط جزائري لاجئ هربها من وراء قضبان سجن البليدة العسكري وخفايا عن حياة وراء الشمس وأسرار العسكري والسجين السابق حبيب سوايدية التي لا يعرفها أحد"
 
بقلم: أنور مالك –كاتب وصحفي مقيم بفرنسا

 
الحلقة السابعة
 بعدما قضينا مشوارا في الحديث عن الذكريات والأدب والجيش وأيام السجن القاسية وما يحمله المستقبل من مفاجآت، وأخذ حظه الوافر قرقاش علي في الحديث عن قصصه ومحاولاته الروائية وآفاقه الإبداعية الواعدة، وتمنّى أن أطالعها وأوجهه نحو المرسى الذي لا تغرق فيه أحلامه… كالعادة اتجهنا نحو المطعم وأذكر أننا تناولنا عدسا مسوّسا تعافه الجرذان، ثم رجعنا إلى الباحة وكلي أمل في التحويل ليحين وقت دخولنا الزنازين، تقدمت من الرقيب محمد الذي كان مسئولا على البناية "E "، وكان برفقتي قرقاش والدكتور مردود وطلبت منه تبديلي إلى زنزانة الدكتور وأعانني الرفيقان في طلبي، بعد مداعبة بما يشبه الرفض والتردد لم تدم سوى بضعة ثواني وضحكات تنم عن الرضا وافق على طلبي، وأحسست كأنه انتشلني من قبر الضياع، وهنا تنبهت لفريد الذي كان يشير لي من بعيد، فحاولت معه لكنه رفض ووعدني بتحويله لزنزانة أخرى… عدنا للباحة وكنت في قمة الفرح والغبطة فلقد خرجت من تلك الزنزانة التي لا أتحمل البقاء فيها ثانية واحدة بعد تلك القيلولة السيئة… شرعنا في الدخول فالتفت نحو الدكتور وسألته:
 
- كم رقم الزنزانة؟!
 
لأحمل أمتعتي نحوها، وشاءت الصدف للمرة الأخرى بعد تلك المصادفات التي حدثت من قبل أن تكون الزنزانة لها ذكراها في عمقي وفي قصائدي… أجابني الدكتور:
 
- التاسعة والثلاثين!
 
وهو رقم الزنزانة نفسها التي كنت فيها بالبناية " A"، حتى أنني صرت أتفاءل به كثيرا وتردد في قصائدي، وقررت لما أخرج أجمعها في ديوان دغدغني عنوانه:
 
-" أوجاع الزنزانة التاسعة والثلاثين "!
 
وكنت أخشى تحويلي ولا أكمل ما عزمت عليه من ديوان كبير يؤرخ لمحنة ستبقى قساوتها موشومة بذاكرتي ما حييت…
 
ليلة أدبية في الزنزانة التاسعة والثلاثين
 
 حملت أمتعتي وقفلت نحو الزنزانة التاسعة والثلاثين بالطابق الثاني طبعا، وأحسست كأنني متوجه إلى زنزانتي السابقة، لأن البنايات لا تختلف عن بعضها البعض… وقد تركت فريد كاد أن يبكي من فراقي وبقاءه في تلك الزنزانة، إلا أنني طمأنته على فعل أي شيء لتحويله، وقد لفّني شعور بالحسرة على افتراقنا ولكن ما باليد حيلة ولو كان بوسعي لحوّلته معي… دخلت الزنزانة وأنا في لهفة لرؤيتها فقد وصفت لي بعض أحوالها من طرف قرقاش، ولما دخلتها كأني خرجت من السجن، فهي نظيفة لا يمكن تصور زيها، مقارنة بالتي عشت فيها، أو الأخر التي رأيتها، لقد حرصوا عليها فهي حياتهم وأغلب الأوقات يقضونها فيها، لذلك نظموها ونظفوها بإمكانيات متواضعة… شممت هواء نقيّا بعض الشيء فموقع البناية إلى جانب الزنزانة يجلب نسيما متميزا، ينسف ما رسب بالصدر الذي أتعبته روائح القاذورات، ولأول مرة لا أشم رائحة المرحاض عند دخولي من الباب… وضعت أشيائي والمتمثلة في بساط ميدان وكيس أدوات النظافة الذي أحضره لي توايتية بوجمعة بعدما سرق مني، ومنشفة وبعض الألبسة الداخلية أهداني إياها صديقي إبراهيم –شكره الله-، فقد دخلت السجن وما معي سوى بذلتي التي ألبسها، كانت الزنزانة تتكون من ستة أسرّة كل ثلاثة تركب بعضها البعض (Superposer)، وشرع قرقاش يعرفني على نزلائها، فتعرفت على الملازم الأول كحيلة ميلود، وهو من قوات الدفاع الجوي للإقليم التي أنتمي إليها، حكم عليه بأربع سنوات نافذة على تهمة الفرار من العدو، وكان يعمل في مركز الكشف والمراقبة (CDC) بأعالي الشريعة ولاية البليدة، وهي منطقة خطيرة جدا شهدت ما يندى الجبين في وصفه، وكذلك مهاجر عبد الله وهو يحمل رتبة رقيب حكم عليه بخمس سنوات نافذة بتهمة المتاجرة واستهلاك المخدرات، وآخرين لم يحضراني الآن لأنهما غيرا الزنزانة بعد أيام معدودة فقط ولم يتم تعارفنا جيدا…
 
 كان قرقاش متلهفا لفتح دفاتره وهي عادة المبدعين دائما، خاصة لما يجدوا من هو يحمل أحلامهم وتطلعاتهم ويفهم جنونهم، أما ميلود فبدوره متلهفا لأن يقصّ عليّ حكايته، ويعرف أخبار زملائه من الضباط الذين أعرف أغلبهم… الدكتور مردود راح يشغل نفسه بلعبة السوليتير (Solitaire) وقد صنعوها من الورق المقوّى لعلب الجبن أو البسكويت، فيها رسومات تتماوج بين الأصفاد والأغلال وقبضة تمثال الحرية وأسماء المدن التي يسكنونها، رقم الدفعة لأفراد الخدمة الوطنية، الحبيبات اللواتي يذوبون فيهن صبابة وتشبّبا… فيها شعارات ترفض الاضطهاد وتنشد الأمل… حمامات السلام… قلوب تمزّقها الخناجر… عيون تذرف دما وفي البؤبؤ تجد رموزا أو الحروف الأولى لأسماء، تكون غالبا للحبيبة أو الزوجة أو الأم أو الأبناء… الخ، سلاسل تحوّط المعاصم والأعناق… كل من يراها يحسبها حقيقية للدقّة المتناهية في الرسم والشكل والضبط والألوان، وهنا أذكر على سبيل المثال لا الحصر أنهم صنعوا بيادق الشطرنج من الصابون وصبغوها بحبر الأقلام الجافة، حتى أنك لمّا تراها تقسم بأغلظ الإيمان أنها مستوردة، فضلا عن الإبرة التي صنعوها من سلك وثقبوها، ليومنا هذا لم أعرف الطريقة التي بها ثقبوا السلك الرقيق ثقبا بحجم سمّ الإبر الحقيقية… ونشاطات المساجين لا تحصى ولا تعد…
 
     كان قرقاش أيضا ضابطا بالجيش الوطني الشعبي يحمل رتبة ملازم أول، يترأس المصلحة الاقتصادية للتموين بتمنراست، حكم عليه بخمس سنوات نافذة بتهمة استغلال النفوذ وعتاد المؤسسة لأغراض شخصية، بعدما تم القبض على شاحنات تابعة لإدارته محملة بأطنان المارلبورو ومتوجهة إلى العاصمة… لا نريد الحديث الكثير والمسترسل في قضيته التي لا أعرف عنها سوى ما ذكرته آنفا، إنما نريد أن نروي ما كتبه من قصص جميلة، وإبداع ولد في الفراغ وترعرع في المستحيل، كانت أول قصة أعطاني إياها عنوانها (فاطمة) لا أعرف أبعاده في اختيار ذلك العنوان، ولكن كل ما أعلمه أن بطلة القصة المطولة والعاطفية فتاة بدوية اسمها فاطمة، تمرغت في مأساة الريف المشوبة بالفقر وحبها الذي يذوّب عظامها… وله قصص متعددة بينها القصيرة ومنها الطويلة، إلا أن الذي لاحظته من أول تصفّح لها هو مدى الحس الإبداعي والفني الذي ينبض به الرجل، وإن كان في بداية الطريق لكنه سيصل به يوما ما إلى شاطئ الاحتراف، إن واصل بتلك الروح المعنوية العالية وأدرك شعاب الدرب القاسية… تفرّغ ليعرّفني على عناوينها المختلفة وعن تلك القصص المحببة لقلبه والقريبة من وجدانه، طلب منّي راجيا قراءتها والتمعن فيها بكل موضوعية وأن أسجل له ملاحظاتي، وإن كنت لا أر نفسي متخصصا وناقدا محترفا، إلا أنني أملك من رصيد التجربة في الكتابة الروائية بعض ما يفيده وينفعه، من معرفة لأصول الكتابة القصصية وقواعدها، ومن خلال ما طالعته وكتبته في هذا الفن النبيل الممتع… أما فيما يخص الجانب النحوي فهو كان في المستوى، لم أجد أي خطأ يمكن تسجيله، والفضل كله يعود للدكتور مردود، ذلك العبقري الذي يحمل شهادة الدكتوراه من جامعة فرنسية كبيرة في الرياضيات، ويتقن ببراعة اللغة العربية وقواعدها، هذا إلى جانب إتقانه اللغة الفرنسية والإنجليزية وتعلم على يده الكثير من المساجين، ولا ننسى بذلك الأمازيغية فهو من أبناء ولاية البويرة وقبائلي أصيل حد النخاع، يسكن في مدينة الأسنام التي يشقها الطريق الوطني رقم خمسة، الرابط لل

المزيد


في الزنازين القذرة (6).. مذكرات ضابط جزائري فار!!

ديسمبر 7th, 2007 كتبها مهدي مصطفى نشر في , جزائريات, وثائق

في الزنازين القذرة (6)

 
"شهادة مثيرة لضابط جزائري لاجئ هربها من وراء قضبان سجن البليدة العسكري وخفايا عن حياة وراء الشمس وأسرار العسكري والسجين السابق حبيب سوايدية التي لا يعرفها أحد"
 
بقلم: أنور مالك –كاتب وصحفي مقيم بفرنسا

 
الحلقة السادسة
ترددت الأسئلة تترى على لسانه، وبلهجة رجل متلهف لمعرفة كل كبيرة وصغيرة في لحظات عابرة لا تكفي حتى للسلام… بقيت ماسكا يده… وبصوت متحسر على ما مضى قلت:
 
- الحكاية ستطول حبيب وتحتاج إلى جلسة!
 
ثم سألني:
 
- كم حكم عليك؟!
 
لقد كان يعرف مسبقا ما دمت في البناية " A"، فالحكم لا يتجاوز السنة إلا أنه هناك فرق شاسع بين السنة والشهر يحس به من عاش في هذا المكان القذر الذي تساوي فيه الثانية الساعة… أجبته:
 
- خمسة أشهر… سأرافقك حتى 31 أكتوبر!
 
ربت على كتفي وعيناه متغضّنتان بحزن تجلى في دمع يبرق كالندى، ما تصوّرت أن أراه في رجل يعيش مكابرا حتى على نفسه، فضلا أن يكون محل شفقة من الآخرين… بأعصاب متوتّرة:
 
- بسيطة… حكمي أنا الذي سوف يطول!
 
ثم يستدرك:
 
- وما تهمتك؟
 
- الفرار…
 
وبصوت من لا يصدّق:
 
- أنت تفرّ من الثكنة… لا أصدق أبدا!
 
- كما قلت لك الحكاية فيها أسرار…!
 
يرد الصدى:
 
- كلّنا ضحايا الأسرار!
 
- المهم أنك بخير!
 
بلهجة أخرى تغيرت فيها ملامحه عمّا كانت عليه من حزن:
 
- كما ترى… لقد أصرّ المدير علي أن أصبح ناظرا بعدما كنت رافضا…!
 
وإن كنت أرى الحديث في ذلك سابق لأوانه إلا أنني قلت له:
 
- على الأقل ترفه عن نفسك بعض الشيء!
 
يتنهد بصوت مسموع ويقول:
 
- أرفه عن نفسي… يا ليتها كذلك!
 
لم أفهم مغزى حديثه… لكن حينها يناديه رئيس فوج الحراسة ليحضر الخدمات، وكان يقف قبالة المدخل الرئيسي، فيستدير نحوهم وقد اصطفوا كعادتهم ويخاطبهم قائلا:
 
- بنظام… بنظام… كلكم هنا!
 
يردّ أحدهم:
 
- أجل…!
 
يصرخ فيهم الحارس المكلّف بالإشراف عليهم في الورشة:
 
- تحرّكوا بنظام… بسرعة!
 
كنت واقفا في زاوية الباب وهو قبالته أما حبيب فكان يقف على بعد خطوات منّي… يستدير نحوي ويقول:
 
- سأعود إليك لما أجد فرصة… ولنا ما نحكي!
 
ثم يوصيني:
 
- خذ بالك على نفسك كثيرا فأنت في السجن وفي وسط مساجين!!
 
كان لقاؤنا مؤثرا، وبقدر ما فرحت أن رأيت أحدا أعرفه من قبل، بقدر ما حزنت لأنني تذكرت الماضي وما حملته الأيام من لحظات جميلة ومواقف لها وقعها الخاص بذاكرتي، فإن لم أستبعد أن يصل به الحال إلى ذلك ولكن ليس لهذه الدرجة طبعا… فآخر لقاء بيننا كان قبل سجنه في 27 جوان 1995 وذلك في شهر أوت من عام 1994 لما تم إرسالي من البطارية النارية الثالثة ببوزريعة وهي بطارية تابعة للمجموعة 14 للوسائل المضادة للطيران نحو اللواء 12 للقوات الخاصة، حيث كانوا يرابطون في مركز الشباب بدواودة البحري، رشّحني لتلك المهمة الرائد آيت حملات قائد المجموعة، وباقتراح من قائد البطارية النقيب وردان محمد، للتكوين في مكافحة الإرهاب، وقد رافقني في مهمتي الرقيب الأول شحّاط علاوة وشكلت منّا كتيبة تتكون من فصيلتين، فيهما عناصر من كل القوات والمدارس العليا (قوات الدفاع الجوي للإقليم، القوات البرية، القوات البحرية، القوات الجوية، وباقي المدارس العليا…)، وأشرف على تدريبنا ضابط يحمل رتبة ملازم وهو من دفعة حبيب… كنا نقضي الليل في مهمات للتمشيط بمناطق حارة، كالذي يسمى بـ "مقطع خيرة" المعروف بتواجد الإرهابيين وتمركزهم به، أما في الصباح الباكر بداية من الخامسة حتى منتصف النهار ففي تدريبات رياضية وعسكرية شاقة، وبالنسبة للمساء فبعد الدراسة للتكتيك والطبوغرافيا يفسح لنا المجال للاستجمام على الشاطئ الذي لا يبتعد عنا سوى ما يقارب الثلاثين مترا، مما خفف عنا حرارة الصيف والخيم التي نزلنا بها… التقيت ببعض الذي أعرفهم وتعرفت على آخرين من ولاية تبسّة، شاءت الصدف أن يأتي حبيب لزيارة زملاءه، وقد إلتقيته ونحن على الشاطئ، كان أنيقا في لباسه أثار اهتمامي من خلال ساعته السويسرية الفاخرة وخاتم الذهب الغالي والسوار الذهبي أيضا الذي يحوّط به معصمه، ساقنا الحديث إلى أحواله وأحوال أسرته، فأخبرني بأنه في صحة جيدة وفي عافية، صار يملك سيارة فاخرة وعقار ورصيد مالي لا بأس به يغنيه مدى الحياة، أما عن مقر عمله فهو في الأخضرية يكافح الإرهاب بلا هوادة ولا رحمة، وقد حسبته أول مرة أنه التحق باللواء الذي نتدرّب فيه إلا أنه أكد لي بزيارته فقط لزملاء دفعته لما جاء للعاصمة في عمل هام، اغتنم الفرصة ليطمئن عليهم…!
 
فرح كثيرا للقائنا لأننا لم نلتق منذ أكثر من سنة لما كنت أدرس في السنة الثانية من تكويننا العسكري بالمدرسة العليا للدفاع الجوي للإقليم بالرغاية ومما أذكره أنني سألته:
 
- يبدو أنك أصبحت مليونيرا حبيب أكيد أنك تشتغل في أمر آخر… هل هي التجارة؟!
 
وبلهجة الظافر الذي يسخر على حالي وكأني في موضع الشفقة والرحمة أجاب:
 
- نحن نعرف ما يجب أن نفعله… وليس كمثلك أنت تبقى تنتظر بفارغ الصبر أجرتك!
 
وإن كنت حينها لا زلت لم أتذوّق الأجرة التي يتحدّث عنها إلا أنني رددت عليه:
 
- الحمد لله على كل حال!
 
كان يختال كالطاووس وبعنفوانه يقول:
 
- أقترح عليك شيئا لو وافقتني عليه لنلت الكثير…!
 
لقد أحسست أنه تغيّر عما كان عليه من قبل، بالرغم من لهفته الكبيرة للثراء السريع والفاحش، إلا أنه لم يصل به إلى هذا الحد بل لدرجة صارت تثير الشبهات… فقلت له:
 
- وما هي إن شاء الله؟!!
 
رد ضاحكا ساخرا:
 
- لا تخف… أنت تعرف أن سيارات الطايوان (وهو مصطلح يطلق على السيارات التي تسرق في الخارج وتهرب عبر الحدود للجزائر) تدرّ أرباحا كبيرة ولديّ شبكة في تبسّة والبويرة والعاصمة، ما أطلبه منك سوى أن تجد لي من يشتريها، ولك حقك في الفائدة…!
 
- لقد سمعت أنها سيارات مسروقة!
 
وهو يقهقه غير مبالي بمن حوله وإن كنت أنا أتحدث بحذر ويقول:
 
- كأنك لست بضابط… هي مسروقة في الخارج ونحن نغرسها ونسوّقها !
 
والغرس يقصد به عملية تزوير ملف السيارة واستخراج بطاقة رمادية وفق الملف المزوّر… قلت له:
 
- دعنا من هذا فليس وقته لما نلتقي سنتحدّث!
 
إلا أنه يرد:
 
- يبدو أنك خائفا وإن شئت تشتغل معنا في تسويق قطع الغيار!
 
- وهل تستوردونه أيضا؟!
 
يجيب:
 
- أكيد لكنه مستعمل!
 
- هذا ممكن التفكير فيه ولكن ليس الآن فنحن كما ترى منشغلون بالتدريبات!
 
يؤكد:
 
- الناس كلهم يعرفونني في الأخضرية إن شئت زيارتي…
 
لكنه يستدرك:
 
- أعطيني رقم الهاتف وسوف أتصل بك أفضل لا أريد أن تلحقك الشبهات!
 
أثار حفيظتي بما نطق به أخيرا… فسألته:
 
- الشبهات… ماذا تقصد؟!
 
يرد متوددا:
 
- قلت الشبهات وأنا أقصد الوضع الأمني، أنت طريقك من ثمة لذلك أخاف عليك من الإرهابيين وعيونهم!

المزيد


ساركوزي لا يعتذر عن جرائم المستعمر الفرنسي في الجزائر.. كانت نوياه حسنة.. واقترح النووي للمستقبل!!!!

ديسمبر 7th, 2007 كتبها مهدي مصطفى نشر في , أسرار سياسية, السركزة الفرنسية, تحقيقات سياسية, جزائريات, وثائق

فرنسا تقترح حلفا نوويا بين الغرب والعالم الإسلامي

دعا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي نظيره الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى بناء اتحاد متوسطي قائم على الصداقة "الفرنسية ـ الجزائرية", مقترحاً إنشاء حلفاً قائمًا على التعاون النووي بين الغرب والعالم الإسلامي.

وأدان ساركوزي الحقبة الاستعمارية "الظالمة" التي شهدتها الجزائر بين عامي 1830 و1962, قائلاً:" الكثير من الذين أتوا للإقامة في الجزائر كانت نواياهم حسنة.. أتوا للعمل وللبناء من دون ان تكون لهم نية في تسخير احد أو استغلاله, لكن النظام الاستعماري لم يكن عادلا في طبيعته ولا يمكن اعتباره الا عملية تسخير واستغلال".

وساوى الرئيس الفرنسي بين قتلى فرنسا على أيدي مقاتلي جيش التحرير، وبين الجزائريين ضحايا الجيش الاستعماري الفرنسي

المزيد


عاصفة وزير المجاهدين في الجزائر تهز أركان قصر ساركوزي.. لماذا لا تعتذر فرنسا عن جريمة الاحتلال ؟

ديسمبر 3rd, 2007 كتبها مهدي مصطفى نشر في , السركزة الفرنسية, جزائريات

توالي ردود الافعال على تصريحات الوزير الجزائري بشأن ساركوزي نيكولا ساركوزي

 اعتبرت الصحف الجزائرية امس السبت انه تم احتواء الحادث الدبلوماسي بين فرنسا والجزائر والتي اثارته تصريحات وزير المجاهدين الجزائري محمد شريف عباس بشأن اصول الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي اليهودية، مشيرة في نفس الوقت الى الاصوات التي ارتفعت لدعم الوزير الجزائري.

ونقلت صحيفة "الشرق الاوسط" عن مصادر صحيفة "لوكوتيديان دوران" الفرنسية قولها:" انه بعد الدعوة الى الهدوء التي اطلقها (الرئيس الجزائري عبد العزيز) بوتفليقة، ساركوزي يعتبر الحادث منتهيا".

اما صحيفة "لكسبرسيون" الفرنسية قالت :" ان الحادث انتهى، بوتفليقة وساركوزي يهدئان اللعبة".

من جهتها، اعتبرت صحيفة "ليبيرتيه" الفرنسية ان "بوتفليقة وساركوزي يتجنبان الحادث الدبلوماسي".

ومن المنتظر وصول الرئيس الفرنسي غدا الاثنين الى العاصمة الجزائرية في اول زيارة دولة له.

وكان الرئيس الجزائري قد تبرأ من تصريحات وزيره، مؤكدا ان "تصريحاته لا تعكس في شيء موقف الجزائر"، مشيرا الى ان السياسة الخارجية لبلاده هي من اختصاص الرئيس ومن يفوضهم بمن فيهم وزير الخارجية، وان ساركوزي "سيستقبل كصديق خلال زيارة الدولة التي يؤديها للجزائر وهي زيارة مهمة للبلدين".

من جانبها ركزت الصحف الجزائرية الناطقة بالع

المزيد


معركة تصريحات بين الجزائر وباريس حول دور اللوبي اليهودي بفرنسا

نوفمبر 29th, 2007 كتبها مهدي مصطفى نشر في , جزائريات, فضائح صهيونية

فرنسا تدين تصريحات تتهم ساركوزى بتلقى دعم من اليهود







باريس: أدانت فرنسا اليوم الخميس تصريحات نقلتها صحيفة "الخبر" الجزائرية عن وزير المجاهدين الجزائري يشير فيها الى ان الرئيس ا

المزيد


استراتيجية دموية جديدة في الجزائر.. الجماعات المسلحة تهدد بعودة اغتيال الصحافيين!!!

نوفمبر 26th, 2007 كتبها مهدي مصطفى نشر في , جزائريات

بعدما انفردت "وطن" بمعلومات أمنية: المخابرات الجزائرية تعلن حالة الطوارئ السرية!!

http://www.watan.com/index.php?name=News&file=article&sid=4888

نقلا عن صحيفة وطن

خاص - وطن: أنور مالك
فتحت مصالح الأمن الجزائري تحقيقا معمقا حول التقرير الذي تفردنا به، والذي يحتوي على معلومات حصرية تتعلق بإستراتيجية دموية جديدة يخطط لها ما يعرف بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وقد ذهبت المصالح المعنية أبعد من ذلك حيث "نصحت" الصحف والصحفيين المعنيين بالتهديد عدم الخوض في الموضوع حتى لا يشوش ذلك على التحقيق المفتوح، وحتى الصحف الأخرى التي هبت للحديث عما يخططه التنظيم الدموي، فضلا من كل ذلك أن المخابرات تريد الوصول للمسلحين المفترضين الذين قد ينفذون العملية، والذين وردت بعض اسمائهم في تقريرنا، وهذا بدل إثارتها إعلاميا مما قد يدفع بهم نحو تغيير الإستراتيجية وتنفيذها بطرق أخرى قد تسربت بعض ملامحها من خلال ما تحدثنا عنه، أو من خلال ما تحصلت عليه الأجهزة الأمنية في هذه الأيام الأخيرة، عن طريق ما يعرف بالتائبين أو بطرق أخرى لم يكشف عن ماهيتها، وإن كانت وسائل الإعلام المحلية تزعم ان المخابرات قامت بإختراق التنظيم عن طريق تائبين… وقد حاولت الصحف الجزائرية التركيز هذه الأيام على أن ما يسمى بتنظيم القاعدة سيلجأ إلى عمليات انتقامية بناء على البيان الصادر مؤخرا والذي شن فيه الأمير الوطني للتنظيم عبدالمالك درودكال المدعو أبو مصعب عبدالودود جام غضبه على النظام وتوعد بالإنتقام لمقتل رجاله… البعض من المحللين يرونه مجرد مراوغة فقط لجأ اليها درودكال لإبعاد الشبهة عنه وخاصة ان العمليات اسقطت الرؤوس القديمة أو ما يعرف بجيل المؤسسين لما كان يعرف بالجماعة السلفية للدعوة والقتال، وهم في كل الحالات كانوا مقربين من أميرها ومؤسسها حسان حطاب الذي سلم نفسه في 22 سبتمبر لمصالح الأمن في إطار صفقة سرية لم تتضح بعد ملامحها، وإن كانت بعض المصادر المطلعة أكدت لنا من أن حسان حطاب سيستفيد من "عفو خاص" سيصدره الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة في غضون الأيام القادمة يمكن حسان حطاب ومجموعة محسوبة عليه لا تزال ترابط في جبال القبائل تنتظر تنفيذ ما أتفق عليه، من عفو لا يبتعد كثيرا عن العفو الذي ا

المزيد


الجزائر تخشى عودة اغتيال الصحافيين.. تسريب صحافي يثير جدلا بين الجزائريين

نوفمبر 26th, 2007 كتبها مهدي مصطفى نشر في , أسرار سياسية, جزائريات

نقلا عن صحيفة وطن

http://www.watan.com/modules.php?name=News&file=article&sid=4836ا

ستراتيجية مرتقبة لتنظيم القاعدة: مخطط لإغتيال الصحفي الجزائري أنيس رحماني

أنور مالك
في تقرير سري يتداول بين أمراء سرايا ما يعرف بـ "تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي" وحرره مصدر مطلع يحظى بأهمية بالغة لدى قيادته، والتي وافقت عليه بإجماع مطلق بعد مشاورات حثيثة… يكشف إستراتيجية دموية جديدة لنشاطه خلال الأيام القادمة بالجزائر، وأبرز ما جاء فيه أن عملياته ستكون نوعية وأكثر إثارة من ذي قبل، ويستهدف هذه المرة الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، وذلك من خلال عمليات إغتيال وإختطاف وتفجيرات تكون موجهة بدقة لأبرز المؤسسات حددت الوثيقة: مقر التلفزيون والإذاعة، ومقر وكالة الأنباء الجزائرية، ومقر صحيفة "الخبر" الواسعة الإنتشار…
 
الكل يعرف أن إستهداف الإعلاميين كان يحدث خلال التسعينيات من طرف تنظيم "الجماعة الإسلامية المسلحة" وكذلك تنظيم "الفيدا" المحسوب على ما يعرف بجناح الجزأرة في جبهة الإنقاذ المحظورة، وقد تخصص في إغتيال الصحفيين والمثقفين والكتاب والمسرحيين مثل الصحفي الطاهر جاووت والمسرحي عبدالقادر علولة والدكتور جيلالي اليابس وغيرهم… وان كانت مصادر مختلفة تعتبر ذلك من أبرز الأخطاء الفادحة التي إرتكبها المسلحون، وكان لذلك الأثر البالغ في الفشل الذريع الذي منيت به المعارضة المسلحة بالجزائر، لكن في السياق نفسه نجد أصوات أخرى تتهم السلطة العسكرية حينها بالوقوف وراء تلك التصفيات من أجل التخلص من الخصوم الشرسين ودفع المؤسسات الإعلامية نحو الإنضواء تحت قبة المواجهة مع الإسلاميين وتمجيد مخطط السلطة في ذلك التوجه الدموي…
 
 وقد جاء التقرير المشار اليه سابقا بعد إجتماع عقده أمراء "التنظيم الإرهابي" وترأسه الأمير الوطني عبدالمالك درودكال المسمى "أبو مصعب عبدالودود" وذلك في مخبأ سري بنواحي تكجدة في شهر أكتوبر الماضي، وقد تناولوا خلالها الإستراتيجية الجديدة الواجب توخيها في ظل النزيف الداخلي والصراع القائم على الزعامة الى جانب ضربات الأمن الموجعة والمتميزة… وقد تقرر حينها ضرورة تغيير الإستراتيجية القتالية ونوعية العمليات التي يكون لها الصدى الأكبر إعلاميا ودوليا، فبعد الحديث عن الأجانب وما تتمتع به تلك العمليات من هالة دولية، دار الحديث على استهداف الصحفيين مجددا وخاصة أولئك الذين خلقوا ما سموها "فتنة داخلية" بين السرايا والفصائل، فضلا عما بلغهم من عدم رضا أسامة بن لادن عن العمليات الإنتحارية الأخيرة التي اغلب ضحاياها مدنيين، وهذا الذي جعل البساط بدأ يسحب من تحت التنظيم، تنبأ خلالها درودكال بميلاد قاعدة جديدة في المغرب العربي، وهذا الذي تجلى في اعلان أيمن الظواهري في تسجيل صوتي بث مؤخرا انضمام الجماعة الاسلامية المقاتلة في ليبيا للقاعدة الأم، مما جعل تنظيم درودكال يفقد مصداقيته ووضع حدا من أحلامه المغاربية، أدى ذلك كله إلى سقوط أسماء بارزة وقديمة في العمل التالي من التنظيم ترى بعض المصادر انه بسبب وشايات تتلقاها مصالح الأمن من طرف مقربين من درودكال، وذلك لتصفية خصومه والمحسوبين على مؤسس الجماعة السلفية للدعوة والقتال حسان حطاب، الذي سلم نفسه للسلطة الجزائرية، وقضيته تثير جدلا واسعا في الجزائر، ونرى أن السلطة تراهن عليه لإنجاح مسعى الرئيس بوتفليقة، بعدما صار يروج في كثير من الدوائر ما سمي بالفشل الذريع الذي مني به ميثاق السلم هذا…
 
    خلال ما يعرف بـ "الحلقة" لدى الإسلاميين المسلحين توج بإجماع على مبدأ إستهداف الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، ليتم الإتفاق على الأسماء المستهدفة التي طرحت على شكل قائمة بها أبرز الصحفيين الجزائريين، وقد إقترح درودكال بناء على "وصايا" تلقاها من جهات مختلفة لم نعرف طبيعتها إسم الصحفي الجزائري محمد مقدم المعروف بـ "أنيس رحماني"، مدير صحيفة (النهار) التي ظهرت للساحة الإعلامية الجزائرية في أول نوفمبر الجاري، وإستقطبت القراء كثيرا لما يتمتع به مديرها من حضور وتميز، أثبت ذلك خلال تجربته في كثير من العنا

المزيد


في الزنازين القذرة (5)..شهادة الضابط الفار من الجزائر

نوفمبر 26th, 2007 كتبها مهدي مصطفى نشر في , جزائريات, وثائق

في الزنازين القذرة (5)

 
"شهادة مثيرة لضابط جزائري لاجئ هربها من وراء قضبان سجن البليدة العسكري وخفايا عن حياة وراء الشمس وأسرار العسكري والسجين السابق حبيب سوايدية التي لا يعرفها أحد"
 
بقلم: أنور مالك –كاتب وصحفي مقيم بفرنسا

 
الحلقة الخامسة
   نعتنا بما نستحي من ذكره بل أترفع من التخمين فيه بيني وبين نفسي، وتسلل كلامه إلي وكنت منهك القوى لا أستطيع حتى الحركة أو الكلام فزاد الحمى اشتعالا… في ليلتي هذه زار خيالي كل ركن من الماضي، وقد تذكرت أمي عندما تشتد بي الحمّى وما تقدمه لي من إسعافات وتسهر على راحتي حتى الصباح، لقد بكيت وانتحبت نحيبا تشققت له الجدران… أيام دراستي في مدرسة قصر الزهراء… تذكرت طفولتي بين الحقول والمراتع… أيام ثانوية مالك بن نبي بتبسّة… جامعة عنّابة… أيام التدريب في المدرسة العليا للدفاع الجوي للإقليم (ESDAT) بالرغاية… تذكرت والدي وحكايات الثورة، وما كان يرويه عن جدي وأسرتي وعمي الذي اغتالته المخابرات الفرنسية بجامعة الزيتونة في تونس… جدتي العزيزة رحمها الله وحكاياتها التي تثلج الصدر… خالي الذي ذبح بجبل الدكان ذات شتاء من عام 1984 وكان لموته الأثر البالغ في قلبي ونفسي… بات محمد (جزاه الله خير الجزاء) ساهرا عليّ، يبلل منشفة ويضعها على جبيني لتخفف من حدة الحمّى التي تنخر عظامي كالسوس، وكانت بالفعل دواء شافيا، عادت لي عافيتي بعدما يئست من الشفاء، وصرت أنتظر اللحظة التي تستلّ فيها روحي من تحت إبطي، فحمّى السجن لا يعرف مداها إلا من تذوّق مرارتها ولحس علقمها، وهي أكيدة يتعرض له كل من يدخل السجن وتختلف من سجين لآخر، فتجد المعتادين أول ما يخافونه الحمى المرتقبة التي لا يسلم منها أحد بسبب تغير ظروف الحياة عليه… في آخر الليل استعدت بعض عافيتي، فطلبت من محمد أن يأوي لمكانه ليأخذ قسطه من الراحة، عمل برغبتي وقد تعب التعب الشديد، حينها تسلل لسمعي صوت الآذان، تحديت مرضي وبحر العرق الذي أغرق فيه من الحمى وحرارة الطقس التي لا تطاق، توضأت وقرأت بعض القرآن، ثم صلينا الصبح جماعة وقد أمّنا السعيد، بقيت مستيقظا حتى جاءنا عناصر الخدمات يحملون ما يسمى بالحليب… خرجنا بعدها للباحة وفق النظام المعمول به، فوجدت إبراهيم قلقا مغموما يفكر في حالي، وقد سمع البارحة صراخ محمد، الذي أخبر الحارس برقم الزنزانة وهو يسأل عن مصدر النداء… علمت أنه بات ليلته خائفا ومرعوبا علي لأنه يعرف حمى السجن، التي قد تقتل أحيانا كما فعلت بالبعض ممن يعرف قصصهم هو، وما حكى لي إلا عن شخص مات بسببها في زنزانته… حمد الله لي على الشفاء وهنا وجد متسعا للحديث عن المرض والمرضى في السجن، وما يعانونه من الإهمال واللامبالاة، فلا يلقون رعاية ولا علاجا ولا أدوية… فقد خصصت زنزانة يسهر عليها طبيب سجين وبعض الأدوية التي لا تمثل شيئا، فلولا ما يحضره الأهل لأبنائهم من خلال وصفات الطبيب لمات الكثيرون… حتى أنه قال:
 
-… الأغرب من كل ذلك أنهم يعودون إلى ثكناتهم… فلو كانوا مدنيين يعودون لبيوتهم فما الذي سيحدث لهم؟!
 
ثم راح يحدثني عن ولديه، اللذين اشتاق إليهما لحد الجنون، ولم يراهما منذ أن وطأت قدماه السجن، رفض رؤيتهما خوفا على شعورهما، وظلت الأم المسكينة تتحجج بأسباب غيابه على أنه في مهمة خارج الوطن… بينما نحن في غمرة الخوض بغمار ما يوجع القلب ويدمع العين وإذا بسجين يقبل عليّ، ومن بين الذين انضموا لركننا حديثا، هو من مدينة بوحمامة ولاية خنشلة ويحمل رتبة رقيب أول وكان يعمل في ثكنة بالرويبة ولاية بومرداس، أثار اهتمامي وأحببته لقلمه الجارف السيّال ولسانه السلسبيل في كتابة الشعر والخواطر… راح يطمئن على صحّتي وحالي، ثم قرأ لي آخر ما أبدعته أنامله من نص يثير شهوة الغواية داخلي نحو احتراق جديد فوق دفاتر عذراء، صارت هي عزائي الوحيد في هذا المنفى… حتّى أنني قررت في تلك الجلسة أن أهديه اسما مستعارا فقال لي:
 
- ذلك يزيدني فخرا…!    
 
فكرت مليّا… ثم قلت:
 
- أبو حمامة العربي…!
 
سلّم عليّ مندفعا وراح يكتبه في دفتره وبخطّه الجميل… ولسانه يلهث:
 
- لن أبدّله ما حييت…
 
ضحك إبراهيم وقال له:
 
- لهذا يجب أن تتزوج وتنجب بنتا اسمها حمامة!
 
قلت:
 
- وإذا أنجب الذكور فقط!
 
رد ضاحكا:
 
- يسمي واحد منهم حمامة أيضا…!!
 
   خلال هذه الأيام وقع الضغط علينا في ما يخص الخدمات، وطبعا هو ما يطلق على المساجين الذين يشتغلون، كل حسب ما خصص له من طرف إدارة السجن، وأذكر أنه زارنا ضابط السجن وهو يحمل رتبة ملازم أول يعمل كمراقب عام، ووجدنا نجلس في ركننا المعتاد ليهيج غاضبا من جلوسنا بلا فائدة ترجى، راح يذكرنا بأننا لا نساوي شيئا ونحن مجرد مساجين نخضع للأوامر كيفما كانت، بالأحرى موقوفين، فكلمة سجين مرفوضة رفضا قاطعا، حتى في المراسلات الرسمية التي نتقدم بها للإدارة، فإما أن نكتب "الموقوف غير المحكوم عليه" بالنسبة للذين لا يزالون رهن الحبس الاحتياطي، وإما أن نكتب "الموقوف والمحكوم عليه نهائيا" بالنسبة لنا ولغيرنا المحكوم عليهم نهائيا، وأذكر أنني سألت إبراهيم عن ذلك فأجابني وملامحه تتوزع بين السخرية والجد… فقال:
 
- إن كنّا مساجين وهي الحقيقة فهم سجانون… وهذا ما يرفضونه دائما وإن كان ذلك واقعهم!
 
سألته:
 
- أرى أننا ما دمنا كذلك، ونعيش في زنزانة وهم من يسهر على سجننا لا تهم المصطلحات… فماذا ترى أنت؟!
 
يجيب وهو يتفرّس في وجوه النزلاء:
 
- التاريخ… هو الوحيد الذي لا يرحم أحدا!
 
أمر الضابط أن نجتمع كما اعتدنا على ذلك، فشكلنا فصيلة لا يتجاوز تمامها العشرين سجينا… راح يمر علينا الواحد تلو الآخر إلى أن جاء دوري، وكنت أقف بجنب إبراهيم وقبل أن يتحدث لي أمر إبراهيم بالذهاب لمكانه فهو يعرفه… سألني:
 
- لماذا لا تشتغل؟!
 
بما أحتجّ به دائما قلت:
 
- إنني ضابط…!
 
ضرب على صدري بكفّه وقال:
 
- كنت ضابطا…
 
زدت على ذلك:
 
- وسأبقى لأنني سأعود لثكنتي!
 
لم يعجبه كلامي ولم يكمل حتى استنطاق الآخرين… قال بعنجهيّة ونظرات الإحتقار تلحسني:
 
- سوف أحولكم جميعا إلى البناية " E"…
 
ثم استدار إلى الناظر وخاطبه:
 
- سجّلهم في قائمة الخدمات ومن يرفض أحضر لي اسمه وسوف يرى…!
 
استبد بي الحنق من كلامه، فقد صرت قاب قوسين أو أدنى، لا أريد مغادرة رفاقي ولا أشتغل فقد أقسمت سابقا أنني لن أفعل ذلك ولو قطع رأسي… عدت لإبراهيم الذي طمأنني بعض الشيء فالناظر لن يسجلني أبدا، وهذا الذي أعاد لي الطمأنينة بعض الشيء وإن كان شبح الخوف المارد يتمرغ بعمقي…
 
الناظر الجديد..
 
خلال الفترة التي مضت بدأ رفاقي الواحد بعد الآخر في الخروج من السجن، بعدما أكملوا مدة عقوبتهم، فقد أفرج عن الريو الذي أطلق عليّ اسم "المنفلوطي" لما رآني لا همّ لي سوى الكتابة والشعر والأدب وكريم العنّابي وآخرين… وكان لذلك النزيف أثره البالغ على نفسيتي، وصرت أتمنّى أن أغمض عينيّا ثم أفتحهما وأجد نفسي في مثل أفراحهم، حرّا طليقا، لأن فرحة الفرج لا نظير لها… وشهدت مجالسنا التحاق رفاق جدد أذكر من بينهم الشاب حميمو وهو من ولاية معسكر وله صوت جميل في أداء أغاني الراي، أخبرنا أنه مهتم بالفن وله علاقات وطيدة بكثير من مطربي الراي، وإن كان قد انضم إلينا من قبل إلا أن جلوسه معنا غير دائم، يقتصر على بعض الدقائق وتحت الإلحاح الشديد، لكنه في الأيام الأخيرة صار يداوم على مجالستنا ويطربنا بأشهر أغاني الراي ويساعده الشاب عتو بأشهر أغاني عبد الوهاب الدكالي…
 
   بعد يوم وبينما كنّا جالسين صباحا رفقة شلّتنا، وفي بعض الأحيان نسكن للشعر الذي يروح على قلوبنا الصدئة، نتحدث عن الناظر الذي أودع زنزانة انفرادية خصصت للعقوبات التأديبية، وحسبما روي لي أنها زنزانة عادية كباقي الزنازين الأخرى تقع في البناية "B "، ولكن جدرانها مصبوغة بدهان أسود، لا ضوء فيها ولا تصلها الأشعة حتى تلك المتسللة عبر الثقوب، وقد قيل أنها لا يشبهها سوى القبر، الفرق الوحيد بينهما أن المدفون بها حيا تتقاذفه أنفاس متوجعة… رحنا نتساءل ونلوك ما قيل عن الأسباب التي دفعت بالمدير الرائد عبد الحق عيسو إلى عزله ومعاقبته، فهناك من يزعم ويدعي معرفته بالحقيقة، وزادت تساؤلاتنا عن خليفته، فراحوا يرجحون مساعده عبد الله إلا أن إبراهيم استبعد ذلك قائلا:
 
- عبد الله لا يحسن القراءة ولا الكتابة جيدا إنهم يحتاجون إلى مثقف وغالبا ما يكون من الضباط!!
 
داعبته:
 
- لو يعينوك أنت!
 
- إنهم لا يعينون مريضا مثلي…!!
 
وبينما كنا غارقين في شتات الاحتمالات المتعددة، وإذا بصوت مبحوح لا يتجاوز حنجرة صاحبه ينادي على خدمات المطعم، لم أنتبه له بادئ الأمر فلقد كنت أجلس وباب الباحة ورائي، إلا أن إبراهيم يندفع مشيرا بسبابته ويلهج قائلا:
 
- حبيب… إنه حبيب… أنظر!
 
التفت نحوه بحماس ووجدته بباب الباحة يجمع الخدمات، لم أتعرّف عليه فقد تبدلت ملامحه كثيرا وتغير شكله، وإن كان نحيلا وضعيف البنية من قبل، إلا أنه صار أنحلا ووجهه أسودا ربما للفترة الطويلة التي قضاها في السجن وقد تجاوزت السنتين… وقفت

المزيد


في الزنازين القذرة .. شهادة الضابط الفار من الجزائر(4)

نوفمبر 26th, 2007 كتبها مهدي مصطفى نشر في , جزائريات, وثائق

في الزنازين القذرة (4)

 
"شهادة مثيرة لضابط جزائري لاجئ هربها من وراء قضبان سجن البليدة العسكري وخفايا عن حياة وراء الشمس وأسرار العسكري والسجين السابق حبيب سوايدية التي لا يعرفها أحد"
 
بقلم: أنور مالك –كاتب وصحفي مقيم بفرنسا

 
في الزنزانة التاسعة والثلاثين…
بعد مشوار من الحديث الذي حمل شجونا مختلفة، عدت إلى تلك الرغبة التي غزتني أول مرة لمعرفة خبايا البناية "A"، التي قيل لنا عنها الكثير، وخاصة في ما يتعلق بالأوساخ المنتشرة فيها، وعن القمل الذي تعج به أجساد النزلاء… يدخل الحارس ليأمرنا بتشكيل الطابور الذي نقف فيه بجنب الحائط الواحد وراء الآخر كما اعتدنا، فقد حان موعد ذهابنا نحو المطعم لتناول ما يسمى بدعا وجبة العشاء، والتي غالبا ما تكون "سباقيت" أو "شربة" أو "لسان عصفور"، المهم أنها لم تخرج من إطار العجائن… انطلقنا كعادتنا وبالنظام الذي ألفناه، وشاهدت بعض العناصر يتخلفون لنهاية الطابور، فأخبرني التموشنتي أنهم يرغبون في الجلوس على الطاولة الأخيرة، التي غالبا ما تكون غير كاملة العدد، فيستفيدون من أكل زائد وخبز فائض… إبراهيم وبعض المساجين معه شاهدتهم يتنقلون مشيا، ولمّا تساءلت عن ذلك أجابني للمرة الأخرى محمد التموشنتي، بأنهم مرضى لديهم عفو من الطبيب، وإبراهيم يعاني من مرض مزمن، يعيش في زنزانة أعدت خصّيصا كجناح تابع للعيادة، ترعاهم عين طبيب الذي لم يكن سوى سجينا بالجناح "E "، وهنا أدركت بعض ما أجله إبراهيم لوقت لاحق… بعد عودتنا وبالنظام نفسه تجمّعنا كالعادة بعد الحساب وتقديم التمام، وهو مصطلح عسكري يعني عدد أفراد الفصيلة أو الكتيبة أو الفيلق أو اللواء…. وتداول الحراس على العدّ مرات متعددة، حتى تدخّل الناظر لضبط الحساب نظرا للتحويل الذي حدث، فضلا عن محدودية المستوى العلمي للحراس… تم إدخال المساجين القدامى، وبقينا نحن الجدد ننتظر قدرنا ونحن حاملين أمتعتنا، وقد حدث أن سرق من أمتعتي كيس أدوات النظافة ومعه الكأس وغضبت من ذلك غضبا شديدا، خاصة أننا نحاسب عليها عند الخروج، وأمل الذكرى الخامسة والثلاثين للإستقلال على الأبواب، إلا أن توايتية بوجمعة تدخل حيث وعدني بأنه سيأتيني بكأس آخر إن لم يكن هو فلا أقلق… أوقفونا في طابور وراحوا يدخلون بالثلاثة أو الأربعة حسب ما ينادي به حارس في الداخل يقوم بالمهمّة، وقد وقفت مع السعيد وفريد عله يسعفنا الحظ وننزل في زنزانة واحدة ونروم أن نكون مع صديقنا التموشنتي، اغتنمت فرصة وجود الناظر قريبا منّي، حدثته طالبا منه ما أرجوه بعدما قدمت له نفسي وعرف أنني ضابط فوعدني بالمساعدة لما يأتي دوري، إلا أنه نسيني وكان حظّي تعيسا ووقع دوري وحيدا في الزنزانة السابعة والثلاثين، مع نزلاء لا أعرفهم واشمئز قلبي منهم منذ النظرة الأولى، فأحوالهم لا تبعث على الخير، أحسست أنه لا يمكنني البقاء فيها ثانية واحدة، لذلك اغتنمت فرصة وجود حارس لا أذكر اسمه، فطلبت منه بكل جرأة تحويلي إلى الزنزانة التاسعة والثلاثين وهو أول حارس أطلب منه شيئا، كان فريد يطل من باب الزنزانة وينادي عليّ لألتحق به، قد أسعفه الحظ وإلتحق بمحمد وفعل كذلك السعيد مثله… بعد تردد أذن لي الحارس وكم كانت فرحتي عارمة أن التحقت بالجماعة، وفرحوا كثيرا بدورهم لما تمكنت من الوصول إليهم بلا عراقيل وحققنا ما اتفقنا عليه وتمنيناه من قبل… كان برفقتنا نزلاء آخرين لا أعرفهم وقد بدت أخلاقهم سيئة للغاية من خلال الألفاظ السوقية وسب الدين الذي كانوا يتبارون به ومن دون احترام لله ولا حتى لأنفسهم… ما باليد حيلة ما دمنا في السجن ونعيش تحت الأوامر كالبيادق، إلا أننا نحاول بقدر الإمكان الحفاظ على الجو الذي صنعناه وخلقناه بيننا لما كنا في الزنزانة الرابعة، ولم نكن سوى عائلة واحدة تربطنا أواصر الأخوة والاحترام والمودة، فرفاقي كانوا متدينين ويقضون الكثير من أوقاتهم في الصلاة والعبادة وتلاوة القرآن الكريم وحفظ ما تيسر منه… ربما ساهم الضيق والقيد الذي كواهم في تأجيج شعورهم الديني، الذي منه يستلهمون الصبر على المحنة، فهو الضمّادة الوحيدة التي تجعلنا نتجاوز سقوطنا الحر والمر، وقد حاول البعض الإنتحار لضعفهم الإيماني وإن كنت لم أشهد أي حالة، إلا أن الروايات لا تعد عمن تم إنقاذهم وآخرون أزهقوا أرواحهم في لحظة يأس من روح الله…!!
 
   كانت الليلة الأولى في الزنزانة التاسعة والثلاثين تشبه إلى حد بعيد ليلتي الأولى في السجن، وذلك للتغيير الذي طرأ، وإن كنت استرحت بين رفاقي ولكن هناك ما ينغص صفو نومي بالرغم مما قيل لي سابقا عن مشكلة الخدمات… أمر آخر مختلف تماما هو ذلك المجهول الذي كان يطاردني من قبل صار معلوما ومؤكدا، هو اتضاح رحلتي والشاطئ الذي سوف ترسو عليه سفينتي بعد خمسة أشهر، وضع حدّا لأحلام كانت تدغدغ مشاعري في الإفراج عند المحاكمة، وإن بقي أمل آخر حول ما سيحذف من العقوبة الثانية، كما فعل مع بقية المساجين حيث إن كانت ثلاثة أشهر فيقضي السجين منها شهرين فقط، لذلك كان العذاب أنيسي دائما مادام الأمر لم يحسم نهائيا…
 
   قضينا ليلتنا في السهر والهمس نتذكر اليوم المتعب بين يدي القاضي وبعض ما حدث من طرائف، حتى أننا أزعجنا بعض النزلاء الذين ركنوا للنوم فطلبوا منّا أن نسكت، لذلك تحول سهري مع محمد التموشنتي إلى إشارات وشفاه تتحرك فقط لكنها توصل الرسالة… شعرت بالضيق كما حدث لرفاقي من النزلاء الآخرين إلى حد بعيد، وتمنيت اللحظة التي يغادروننا فيها ونستريح من كلامهم المزعج والقبيح… في تلك الليلة طلب السعيد منّي قصة سيدنا يوسف عليه السلام، وقد قضى أياما طويلة في حفظها حيث تلقى صعوبات كبيرة لسنّه، وهو حال أغلب المساجين فأول ما يحفظونه من القرآن الكريم تلك السورة، ربما العامل الأساسي في ذلك محنة السجن التي عاشها ومنّ الله عليه بعد سنوات طويلة وعاد سيدا بفضل إيمانه ويقينه وصبره… وإن كنت في حالة نفسيّة سيّئة للغاية إلا أنني لبّيت طلبه على مضض، فأنا لا أستطيع رفض ما أراه يسعد تعساء يؤانسونني في تعاستي المشئومة… قصصت عليهم هذه السيرة العطرة وسردت عليهم بعض ما استنبطه العلماء والحكماء من عبر وعظات تحثّ على العفة والطهارة وآداب السجن والدعوة إلى الله وفن القيادة وفوائد الإبتلاء، تحدثنا في كثير من المحطات من خلال السورة التي تشوّق السعيد في فهمها جيّدا… وكان ختام مسك الجلسة الجميلة التي أعادت لنا بعض الأمل واليقين بالغد، قال السعيد:
 
- هذا نبي ودخل السجن فما بالك نحن!
 
يتدخل أحدهم من أولئك الذين لا نستلطفهم وتصرفاتهم مشينة قائلا:
 
- هو على الأقل نبي ونحن (…)!!
 
وإن تلفّظ بما لا يعجبني من كلمة بذيئة وقبيحة دفعتني إلى أن أرد عليه:
 
- إذا أردت أن تحكي معنا فلا داعي للكلام السيئ! 
 
ساخرا:
 
- تحسب نفسك نبيّا!
 
أصرخ في وجهه بكل حزم وزجر:
 
- لو كنت كذلك لما نال نذل مثلك شرف الجلوس معنا!
 
تدخّل محمد التموشنتي ليهدئ خصامنا الذي كاد أن يصل بنا إلى ما لا تحمد عقباه، وخاصة أنني قررت وضع حد لكلامهم الجارح الذي لم يتوقفوا عن التفوه به منذ دخولنا، كأنهم يتعمدون إزعاجنا… هدأت الأمور بعض الشيء وإن أقسمت بصوت عالي أن أقطع لسانه لو تجاوز حدوده مرة أخرى، فما سمعته منه في أقل من ساعة يبرر ما عزمت عليه إن لم يوجبه…
 
 
أيام في البناية ( A)…!
الأيام في البناية الجديدة متميزة وتختلف بكثير عما كانت عليه في البناية السابقة، وذلك لعدة أسباب أهمها:
 
1-        أنني عرفت رحلتي في هذا الدهليز، وصار لديّ التاريخ الذي سأغادره فيه وتنتهي رحلتي الشاقة… حيث كان معنا سجين من مدينة عين البيضاء ولاية أم البواقي يشتغل منظّفا للمحكمة، ورأيته يحضر تواريخ الإفراج للنزلاء، كنت مشغول البال حول ذلك وخاصة لما عرفت الكثيرين لديهم المشكلة نفسها وحذف لهم شهر من الحكم الذي كان غير نافذ من قبل… في أحد الأيام تقدم منّي وطلب أن أكتب له رسالة لوالدته فجرّنا الحديث عن خدماته لذلك سألته: هل تقوم بتنظيف مكاتب قضاة التحقيق؟! فرد بالإيجاب، عندها سألته للمرة الثانية عن الملازم الأول بن ضو محمد، فراح يحدثني عن فضائله وأخلاقه العالية ومعاملته الرحيمة للمساجين، لذلك طلبت منه تبليغه سلامي، ويحضر لي منه تاريخ خروجي، فوعدني أن يفعل ذلك وأنه بإمكانه إحضار التاريخ من دون الطلب منه، فهو يقوم بتنظيف كتابة الضبط وفي اللوح المعلق على الحائط يرى كل شيء… إلا أن محمد –رحمه الله- أرسل لي ذلك بعد يوم من حديثنا مباشرة، وقد غضبت لذلك غضبا شديدا، فلم يحذف من الثلاثة أشهر أي شيء كما فعل مع الآخرين، بل أنني الوحيد من الذين عايشتهم، سأقضي المدة كاملة، لم يتم حذف سوى الأيام الثمانية التي قضيتها في محل التأديب في الثكنة، وهو حقي القانوني، ويصادف تاريخ الإفراج يوم الجمعة 31 أكتوبر، أصابتني الهستيريا لم أر لها مثيلا، وتبخّر آخر أمل كان يراودني ويهوّن من وطأة الهم والضيق، زاد إبراهيم على ذلك بشغبه وضحكاته حتى أنني قضيت يوما شاقا،لم أر مثله في حياتي…!
 
2-        تم تحويل جماعة السوء الذين كانوا يقلقوننا، حيث حولوهم إلى زنزانة في الطابق السفلي لأجل الخدمات وارتحنا منهم لدرجة لا تتصور…
 
3-        أننا شكلنا أسرة بكل ما تحمله من معاني وأواصر الأخوة، في الركن الذي جلست فيه أول مرة مع إبراهيم وكان لا يصل إليه أحد من باقي النزلاء ونتفاداهم، بل يطردون خاصة أولئك الذين لا ينظفون أجسادهم، وترى القمل يتجول في رؤوسهم، لا نريدهم معنا لأننا نخشى العدوى، كان معنا سجين إسمه "الريو" وهو عنيف يخافه المساجين ولا يقتربون من ساحة جلوسه، وإن كان لا يظلم أحدا ولا يهتم إلا برفاقه، كنت أقضي أغلب الأوقات في المطالعة والكتابة، خاصة الرسائل للمساجين، أما هم فبين لعبة الدومينو والكلمات المتقاطعة وما تسمّى بالداما، كلها صناعات محلية وبإمكانيات متواضعة جدا…
 
4-        يومنا كان يشهد حركة غير عادية، ونشاطا بجلب بعض الأخبار من الخارج، وإن كانت أغلبها تتراوح بين الإشاعة أو الكذب، مرات أخرى يحضر لنا عناصر الخدمات قصاصات من الصحف يجدونها في سلات المهملات، حتى وإن كانت قديمة، إلا أنها تسلّينا بعض الشيء ومنها نعرف ما حدث من قبل، وإن ظل الحديث الذي يستهوي المساجين هو الحوار بين أطراف النزاع في الجزائر، وما يروج عن مصالحة وطنية تقتضي عفوا شاملا، وهذا ما يهمهم حتى أولئك الذين لم يبق لهم من مدة العقوبة سوى أياما تعد على الأصابع، فلهم أصدقاء في أعناقهم أحكام كبيرة وقاسية يتمنون لهم الفرج القريب…
 
5-        كان الأهم في كل ذلك، وخلق لي فضاء متميزا، أعيش فيه وحيدا لا يؤانسني سوى خيال جامح، استوحيته من مأساة أتخبّط فيها من رأسي إلى أخمص القدمين… إنه الشعر… أجل الشعر، عالمي المجنون، الذي تفجر ينبوعه وجرفتني أمواجه إلى منتهى الحب والحرب… وجدت في إبراهيم ما دفعني للإبداع أكثر، فهو يعشق الشعر ويحفظ منه الكثير خاصة المعلقات التي تتشنج لها أوتاره وتعلقه من أظافره في أبياتها وجدرانها الساحرة…
 
   ربما كانت هذه العوامل رئيسية ساعدتني على التفاعل الإيجابي مع وضعي الجديد، واستجبت لنصائح إبراهيم الذي ظل يحرص على تحفيزي بأبجديات الواقع الذي أعيشه، يوصيني دائما بنسيان ما كان وما سوف يكون خارج القضبان، وعليّ أن أنتبه إلى واقعي الجديد حتى يفرج الله كربتي، فالهم لا يزيد الأيام سوى الغم على حد تعبيره دائما… وقد وجدت في قصة إبراهيم ما أنساني محنتي، خاصة لما أراه يبكي من شدة شوقه لولديه ضياء الدين وحسام الدين، وزوجته حورية التي يتشبب بها شوقا وهياما ويناجيها في خياله ب "حرية"… وقد كتبت له رسالة على شكل قصيدة وذلك يوم الإثنين 30 أكتوبر صورت لها فيها بعض ما أراه يطابق تلك الكلمات التي ظل يبوح لنا بها…
 
   ذات يوم جلسنا في الباحة، وكنت أنا وإبراهيم والريو وكريم العنابي ومعنا سجين آخر اسمه عتّو يغنّي لنا، كان له صوت دافئ، يعشق لحد بعيد المطرب المغربي عبد الوهاب الدكالي والجزائري دحمان الحراشي وكمال مسعودي أيضا… دائما يطربنا وينسينا الهموم التي لا تغادرنا أبدا، من حين لآخر يباغتنا إبراهيم بنكته وخفّة ظله فنغرق في الضحك حتى نظهر لمن يرانا أنه سيفرج علينا في الغد، الجماعة يتعمدون ذلك للترويح عن إبراهيم الذي يعاني من مرض الصرع، يصل به أحيانا إلى ما لا يصدق فتجده يحدث نفسه ويضرب رأسه على الحائط حتى يشجه ويسيل دمه، هذا ما روي لي ولم أراه إلا فيما بعد سيأتي الحديث فيه إن شاء الله… في أحد الأيام وبينما كنا نسلّي بعضنا البعض بالألغاز والكلمات الدافئة أو المسابقات الشعرية بيني وإبراهيم، في لحظة من لحظات انفعالنا في جو أسري مشحون بالشوق والحنان والصداقة، استدار نحوي إبراهيم لما غمره دفء وطني فياض سرى من وجداني، عبر كلمات تراءت من أبيات "اللهب المقدس" لشاعر الثورة مفد

المزيد


التالي