ياسر عرفات: من بندقية الثائر وحتى غصن الزيتون واستشهاده في 11/11(1929 -2004)

أكتوبر 23rd, 2007 كتبها مهدي مصطفى نشر في , سيرة ذاتية, وثائق

ياسر عرفات: من بندقية الثائر وحتى غصن الزيتون (1929 -2004)

11/11/2004  07:24

اعداد: عرب48

محمد عبد الرحمن عبد الرءوف القدوة الحسيني

كتبت الكثير من المقالات والدراسات التي تتسع لمجلدات ضخمة، عن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وقيل فيه الكثير. ولكن تبقى حقيقته البسيطة واضحة لأبناء شعبه وللعالم أجمع: فلقد ظل عرفات وفياً للثوابت التي أمن بها، كقضايا القدس واللاجئين والدولة، وكان مرناً الى أقصى درجات المرونة في كل شيء إلا في تلك الثوابت.
محمد عبد الرحمن عبد الرءوف القدوة الحسيني، هو الاسم الحقيقي لياسر عرفات، الذي اتخذ اسم "ياسر" وكنية "أبو عمار"، أثناء دراسته في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، إحياءً لذكرى مناضل فلسطيني قتل وهو يكافح الانتداب البريطاني.
مكان ولادة عرفات ما زال محل خلاف، فهو يقول انه من مواليد القدس في أغسطس/ آب 1929، أما جميع من تتبعوا سيرة حياته، فيعتقدون انه من مواليد مدينة القاهرة يوم 24 أغسطس/ آب 1929.
وباستثناء الخلاف حول مكان ولادته، لا يختلف احد من المؤرخين على التاريخ النضالي المشرف لهذا الفلسطيني الذي حمل الهم الفلسطيني في قلبه وعلى كاهله، طوال اكثر من اربعة عقود.
بدأ عرفات حياته السياسية في مطلع حقبة الخمسينيات من القرن الماضي حينما شارك في عام 1952 عندما كان طالبا في كلية الهندسة بجامعة القاهرة في تأسيس اتحاد طلبة فلسطين في مصر. وقد تولى رئاسة رابطة الخريجين الفلسطينيين بعد نجاح ثورة يوليو/ تموز بقيادة جمال عبد الناصر في الاستيلاء على السلطة.
ظهرت مواهبه منذ سنوات شبابه المبكر كناشط وزعيم سياسي. وقد انجذب في البداية لجماعة الأخوان المسلمين، لكنه سرعان ما اعتنق فكر الكفاح المسلح ضد إسرائيل عقب "نكبة" عام 1948 وقيام دولة إسرائيل فوق ما يزيد عن 70 بالمئة من مساحة فلسطين التي كانت خاضعة للحكم البريطاني.
بعد انتصار ثورة الضباط الاحرار في مصر في 23 يوليو/ تموز 1952، بعث عرفات، عام 1953، خطاباً الى اللواء محمد نجيب، أول رئيس لمصر، حمل ثلاث كلمات فقط هي: "لا تنس فلسطين". وقيل إن عرفات سطر الكلمات الثلاث بدمائه.

الثائر ياسر عرفات

تأسيس "فتح"

التحق بالخدمة العسكرية في الجيش المصري وشارك في التصدي للعدوان الثلاثي الإسرائيلي الفرنسي البريطاني على مصر في حرب السويس. وفي عام 1956 مُنح عرفات رتبة ملازم في الجيش المصري.
وفي 1958 شكل عرفات الذي كان وقتها يعمل مهندسا في الكويت مع مجموعة صغيرة من المغتربين الفلسطينيين الخلية الأولى لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) التي تبنت الكفاح المسلح وسيلة لتحرير فلسطين. ومن ابرز الذين شاركوه تأسيس فتح: صلاح خلف (أبو إياد) وخليل الوزير (أبو جهاد) .
وكشف عرفات في ما بعد عن قيامه في ذلك الوقت بجمع بنادق من مخلفات الحرب العالمية الثانية من الصحارى المصرية لتسليح حركته.
وفي 31 كانون الأول 1964 نفذت حركة فتح أول عملية مسلحة في الاراضي الاسرائيلية عبر محاولة نسف محطة مائية وقام عرفات شخصيا بتسليم بيان تبني العملية إلى صحيفة "النهار" اللبنانية.
وفي 28 أيار 1964 تشكلت منظمة التحرير الفلسطينية تحت رعاية مصر، وترأسها احمد الشقيري. واعتمدت المنظمة ميثاقا وطنيا يطالب بحق تقرير المصير للفلسطينيين ويرفض قيام دولة اسرائيل.
وفي حزيران 1967: انتقل عرفات الى العمل السري، تحت اسمه الحركي "أبو عمار". وفي تموز توجه سراً إلى الضفة الغربية المحتلة حيث أمضى أربعة أشهر قام خلالها بتنظيم خلايا حركة فتح.
وفي 4 شباط 1969 انتخب عرفات رئيسا للمنظمة التي أصبحت ممثلا للشعب الفلسطيني. 1959: أسس عرفات في الكويت مع حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح".
اكتسب عرفات أثناء خدمته بالجيش المصري خبرة في العمليات العسكرية واستخدام المتفجرات أهلته لقيادة الجناح العسكري لحركة فتح الذي عرف باسم "العاصفة"، وبدأ عملياته عام 1965.

بعد الكرامة.. رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية

معركة الكرامة ورئاسة منظمة التحرير

وفي تلك المرحلة، بدأ نجم عرفات في البزوغ كزعيم سياسي فلسطيني ثائر، غير أن نجمه لمع أكثر في الأردن حيث كانت توجد أعداد كبيرة من الفلسطينيين الذين هجروا عام 1948 و1967، فتوفر المناخ لعرفات كي يقوم بتدريب أفراد من قوات فتح التي عرفت باسم "العاصفة"؛ وهو ما شجعه في الأمد القريب على تنفيذ عمليات فدائية ضد أهداف إسرائيلية من خلال التسلل عبر الحدود الأردنية إلى الأراضي المحتلة، أو من خلال استهداف الدوريات الإسرائيلية العاملة على الشريط الحدودي.
وقامت عناصر العاصفة بشن هجمات على إسرائيل من الأردن ولبنان وقطاع غزة الذي كان يخضع للحكم المصري.
وبعد حرب عام 1967 التي ألحقت فيها إسرائيل الهزيمة بالجيوش العربية، واستولت على القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء وهضبة الجولان، قامت جماعات المقاومة الفلسطينية بتكثيف أنشطتها ضد الاحتلال الاسرائيلي. ولم يبق في ساحة القتال ضد إسرائيل سوى حركة فتح.
وقد اكتسب عرفات المزيد من الشهرة كقائد عسكري ميداني في عام 1968 عندما قاد قواته في القتال دفاعاً عن بلدة "الكرامة" الأردنية أمام قوات إسرائيلية أكثر عدداً وأقوى تسلحاً.
وزرعت معركة الكرامة الإحساس بالتفاؤل بين الفلسطينيين، كما أدت لارتفاع راية قوى التحرر الوطني الفلسطينية بعد فشل الأنظمة العربية في التصدي لإسرائيل.
وبعد مضي عام على معركة الكرامة اختير عرفات رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي أسستها جامعة الدول العربية عام 1965.

حطام احدى الطائرات التي اختطفت الى الاردن قبل ايلول الاسود

ايلول الأسود والانتقال الى لبنان

في العام 1970 هاجم الجيش الأردني القوات الفلسطينية في الأردن بعد أن خطف رجال المقاومة أربع طائرات ركاب إلى مطار في صحراء المملكة، ووقعت اشتباكات بين الطرفين أسفرت عن سقوط ضحايا من كلا الجانبين وعرفت بأحداث "أيلول الأسود"، وبعد وساطات عربية قررت المقاومة الفلسطينية في العام التالي الخروج من الأردن والانتقال إلى لبنان بعد أن نجحت مصر في إنقاذ عرفات من الموت المحقق في عمان وتهريبه سرا إلى القاهرة حيث حضر القمة العربية في سبتمبر 1970، فكانت أول قمة عربية تسلط فيها بقوة أضواء وفلاشات الكاميرات عليه.
ومع انتقال المنظمة إلى لبنان، واصل "الثائر" أبو عمار رحلة الكفاح المسلح، فشرع في ترتيب صفوف المقاومة معتمدا على مخيمات اللاجئين. وفي السنوات التي أعقبت انتقال عرفات إلى بيروت نفذ مسلحون فلسطينيون ينتمون لفصائل مختلفة عمليات تفجير وخطف طائرات واغتيالات، من أشهرها عملية خطف وقتل 11 رياضياً إسرائيلياً أثناء دورة الألعاب الأولمبية التي أقيمت في ميونخ عام 1972.
في 13 نيسان 1973 حاولت اسرائيل اغتي

المزيد


أعزائي إليكم إطلالة المفكر العراقي الكبير حسن العلوي"عمر والتشيع" (5) فهل أدرك صفويو العصر الجديد؟؟؟

سبتمبر 19th, 2007 كتبها مهدي مصطفى نشر في , أسرار سياسية, تاريخ, تحقيقات سياسية, ثقافة, سيرة ذاتية, وثائق

12

 

 

 

 

 

 

  التشيّع العلماني على مذهب المصريين

  المدرسة المصرية عند العلمانيين العراقيين من أصول شيعية

 

 

  علي الوردي رائداً

  يحدد الدكتور علي الوردي ثنائية الانقسام بفصل موسع من كتابه (مهزلة العقل البشري).على ضوء قوانين علم الاجتماع، وببساطة وعفويّة وبحياد وشجاعة رائدة مما يوجبُ علينا التوقف عن السرد والاستطراد، لنفسح المجال لرؤية الوردي أن تأخذ مداها الكامل، باعتباره أول عالم اجتماع وأديب ينتسب إلى أسرة شيعية فيسخر من المنهج الصفوي ورواياته مثلما ينتقد المنهج الأموي في تفسير التاريخ الإسلامي، والذي يبدو أن علي شريعتي، قد تأثر بمنهج الوردي أو أن الوردي هو الذي أيقظ في روح هذا المفكر عنفوان الاحتجاج والتمرد.

  يقول علي الوردي: أصبح النزاع بين الشيعة وأهل السنة في العصور المتأخرة، كأنه نزاع بين علي وعمر.

  وصار الناس يطلقون على الشيعة اسم \"ربع علي\" وعلى أهل السنة \" ربع عمر\".

  وظهر هذا بجلاءٍ في العراق في العهد العثماني يوم كان التنافس شديداً بين الصفويين والعثمانيين.

  وانهمك العوام في هذا الموضوع انهماكاً غريباً حتى خيل للناظر أن علياً وعمر كانا في حياتهما متباغضين تباغضاً عنيفاً.

  وأخذ المداحون والقصاصون يزيدون في النار لهيباً.

  فكان كل فريق منهم يبالغ في تبيان فضائل صاحبه ليكسف بها فضائل خصمه المزعوم.

  ومن يدرس الكتب التي تخرجها المطابع في أيامنا هذه حول هذا الموضوع يجد أثر ذلك واضحاً.

  ولا يجب أن نضع أصابعنا على ما جاء في هذه الكتب، لكي لا نزيد في الطنبور نغمة جديدة.

  ومشكلة العقل البشري أنه إذا ركّز انتباهه على مناقب شخص أو على مثالبه، استطاع أن يأتي منها بشيءٍ كثير.

  فهو إذا أحبّ شخصاً استطاع أن يجعل كل أعماله مناقب، وإذا أبغضه حولها إلى مثالب.

  وهذا أمر نلاحظه في حياتنا اليومية. فالمحبوب هو فاضل في جميع أعماله وأقواله.

  وإذا رأينا منه شيئاً يستوجب المذمة أو اللوم لجأنا إلى منطق التبرير والتسويغ وقلبناه إلى حق لا مراء فيه.

  سألني بعض الأجانب عن هذا النزاع بين علي وعمر، ما هو مصدره ومنشؤه؟

  وهذا السؤال له أهميته الاجتماعية. فالأجانب حين يقرأون تاريخ الإسلام الأول يجدون الصفاء تاماً بين علي وعمر.

  فقد تزوج عمر من ابنة علي، وتولى أصحاب علي الولايات المهمة في عهد عمر.

  وكان عمر يستشير علياً في كثير من القضايا ويمدحه، كذلك كان علي يمدح عمر في حياته وبعد مماته كما جاء في نهج البلاغة.

  فما هو السبب الذي جعلهما متباعدين بعد موتهما بينما كانا في حياتهما متقاربين تقارباً واضحاً؟

  هنا يأتي الافلاطونيون فيحاولون أن يفسروا هذه الظاهرة الاجتماعية العجيبة بمنطقهم البالي العتيق.

  يقول فريق منهم: \"إن السبب كله راجع إلى الملعون بن الملعون عبد الله بن سبأ، فهو الذي صوّر علياً بصورة المبغض لعمر، وهو الذي هدم الإسلام بهذا التفريق الشائن\".

  ويأتي الفريق الآخر فيقول: \"كلا وألف كلا إن السبب هو عمر نفسه. إذ كان يكره علياً كراهة عميقة ويريد الإضرار به والانتقاص من فضله الذي كان كالشمس في رابعة النهار \".

  إن البحوث الاجتماعية تخالف هذين الرأيين معاً. فالرأي الأول تافه لا يعتد به.

  فليس من السهل على شخص واحد، مهما كان عبقرياً في دهائه وحيلته، أن يعبث بالإسلام ذلك العبث الهائل، دون أن يصده صاد أو يعاقبه أحد.

  أما الرأي الثاني فهو سخيف لا تقره وقائع التاريخ فلو كان عمر يكره علياً كرها شديداً لما تزوج من ابنته ولما ولّى أصحابه في الولايات المهمة.

  لا ننكر أنه قد حدث شيء من الخصومة والمنابذة بين علي وعمر بعد وفاة النبي مباشرة، لاسيما في حياة السيدة فاطمة.

  وقد أشار إلى ذلك كثير من المؤرخين. ولكن ذلك كان أمراً مؤقتاً انتهى بموت فاطمة كما هو معروف.

  حيث يقول بعض الغلاة: إن علياً كان يداري بعمر من باب التقية وأنه رضي بتزويج ابنته منه بعد أن هدده عمر تهديداً شديداً.

  وذهب بعضهم إلى القول بأن عمر لم يتزوج ابنة علي بالذات، إنما تزوج امرأة من الجن على صورتها بينما كانت ابنة علي لا تزال في بيت أبيها عذراء.

  إن هذه الأقاويل يمكن أن يتحدث العوام بها في المقاهي، ولكنها غير جديرة أن تطرح على بساط البحث العلمي.

  الواقع أن علياً وعمر وأبا بكر كانوا من حزب واحد، وهو حزب الثورة المحمدية.

  ولهذا وجدناهم يناوئون قريشاً ويفضلون عليها سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي.

  أما ما حدث بينهم من خصومة طفيفة في يوم من الأيام فلا يستوجب أن يكون شعاراً لنزاع اجتماعي عام يقتل الناس فيه ويتلاعنون.

  من الحقائق التي يجب أن يفهمها هؤلاء المغفلون: أن عمر وعلياً كانا من حزب واحد واتجاه متقارب.

  ولا يستطيع أي مؤرخ أن ينكر أن أصحاب علي أيدوا عمر في خلافته كما أن أصحاب عمر أيدوا علي في خلافته.

  فالصحابة الذين اشتهروا بالتشيع لعلي كانوا في عهد عمر عمالاً وقُواداً يأتمرون بأمر الخليفة ويخدمون الإسلام بالتعاون معه.

  نخص بالذكر منهم: عمار بن ياسر وسلمان الفارسي والبراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وسهل بن حنيف وعثمان بن حنيف وحجر بن عدى وهاشم المرقال ومالك الأشتر والأحنف بن قيس وعدى بن حاتم الطائي.

  وعندما سافر عمر إلى الشام ولّى علياً مكانه في المدينة.

  ونجد من الناحية الأخرى أن الذين بايعوا عمر وآزروه في خلافته هم أنفسهم الذين بايعوا علياً بعد ذلك وقاتلوا تحت رايته.

  بايع علياً أكثر المهاجرين والأنصار. وهذا أمر لا مجال للشك فيه. وقد صرح علي غير مرة أنه بايعه الذين بايعوا أبا بكر وعمر من قبل. فلم يرد عليه أو يكذب دعواه أحد.

  يقول الألوسي: إن ثمانمائة من أصحاب بيعة الرضوان كانوا يقاتلون معاوية تحت راية علي في صفين. وقد قتل منهم ثلاثمائة.

  وأصحاب بيعة الرضوان هؤلاء هم نخبة الصحابة وقوام المهاجرين والأنصار.

  وقد حدثت بيعة الرضوان في عام الحديبية حيث جدد المهاجرون والأنصار بيعتهم للنبي وعزموا على الموت.

  وهم إذن يختلفون عن أولئك الناس الذين دخلوا الإسلام بعد الفتح وكان كثير منهم منافقين، حيث أسلموا رهبة أو رغبة.

  إن هذه الوثائق التاريخية الصارخة يجب أن تكون موضع نظر لدى الشيعة وأهل السنة.

  وعليهم أن يفهموها قبل أن ينشغلوا بجدلهم العقيم الذي لا طائل وراءه.

  ماركسي وعلماني.. ونموذجه عمري !.

  وجدت في حياة شقيقي هادي العلوي أكثر من عشرين خصلة مستلهمة من تراث عمر بن الخطاب، عثرت عليها فيما بعد أثناء دراستي له.

  أوشك هادي أن يمزق ستائر منزلي في الشام، كما مزق عمر ستائر يزيد بن أبي سفيان يوم قدم إلى الشام.

  ورفض هادي أن يركب معي في سيارتي، قائلاً: إن عمر بن الخطاب كان يحرم على نفسه ركوب البرذون، وهي نوع من الحمير والبغال العالية والمدربة والمفضلة عند الأغنياء، وقال: إنها تقابل المرسيدس في أيامنا هذه، ولو كان عمر حياً لما فضل غير السيارات الروسية، ولحرّم امتطاء السيارات الفارهة.

  وجاءني مرة طالباً أن أشتري منه كيساً من الرز البسمتي الممتاز الذي اعتاد أن يبعثه صديقه من البحرين فيتقبله على ألا يدخل بيته ويفرض عليّ شراءه بثمنه ما يزيد على (300) كيلو من الرز التايلندي الشعبي، ليوزعه على عوائل عراقية في حي السيدة زينب على أن أقوم أنا بالتوزيع، وهو معي.

  وكان يقول للإسلاميين هناك: لماذا لا توزعون بطونكم وتتشبهون بعلي إن كنتم من مدرسة أهل البيت. ولا أقول عمر لبعده وبعدكم عنه؟. وكان يشير بذلك إلى رواية تقول: إن عمر بن الخطاب كان يذهب إلى القصاب الذي يدير (ملحمة) كبيرة تابعة للزبير بن العوام وهي الوحيدة في المدينة، فإذا رأى رجلاً اشترى لحماً يومين متتاليين ضربه بالدرة قائلاً:

  ألا طويت بطنك لجارك وابن عمك؟.

  وطلب إليّ مرةً أن استنسخ على الآلة الكاتبة نسخاً من تعاليم عمر وتعريفه بأصحاب الكروش كما يسميهم الماركسيون، وهم المبطانون بمصطلح العرب.

  أيها الناس إياكم والبطنة عن الطعام فإنها مكسلة عن الصلاة، مفسدة للجسم، مورثة للسقم وعليكم بالقصد في قوتكم، فإنه أدنى من الصلاح.

  ويذكر ابن الجوزي كما يقول الصلابي أن عمر رأى رجلاً عظيم البطن، فقال: ما هذا؟ قال: بركة من الله.

  فقال عمر: بل عذاب من الله.

  وكان الجواهري يستلهم عمر بصب العذاب على تلك الكروش في قصيدته.

  (أطبق دجى):

  أطبق على هذي الكروش يمُطِّها شـحمٌ مـذاب

  وينتقد هادي العلوي موقف أغنياء التشيع ومؤسساتهم الدينية إزاء العراقيين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، فانتزعت أموالهم ونهبت محلاتهم التجارية، وشرّد الآخرون لأسباب سياسية فتشاركوا العيش في غرف مظلمة في حي السيدة زينب بالشام. وكأنهم دخلوا في سنواتهم إلى عام الرمادة المستمر سوى أنهم رعية بلا راع، وفقراء بلا عمر، وشيعة بلا علي. وكأنه يشـير إلى موائـد عمـر في عام الرمادة، التي اتسعت لعشرة آلاف، فضلاً عن (50) ألفاً يرسل إليهم الطعام في المدينة، فيما عشرات الآلاف من العراقيين لم يجدوا في رمضان مايكسرون به الصوم في ساعة الإفطار. وموائد ممثلي بعض المرجعيات الدينية، لا ترقى إليها سوى موائد الأمويين في عزّ خلافتهم.

  وهادي العلوي يطبق على نفسه معتقداته الفكرية، فإذا دوّن نصاً في الزهد سارع إلى الأخذ به في حياته البسيطة، وكان يقرّ بنظرية القدوة. والنموذج المشع والمؤثر في المجتمع. ويعطي لعمر بن الخطاب نصيباً أوفر للنموذج الجاذب وفي أبحاثه النظرية تلتحم السير المحمدية مع بعضها في ثلاثية أبي بكر وعمر وعلي.

  يقول في كتابه \"خلاصات في السياسة والفكر السياسي في الإسلام\":

  فهناك نصوص تتحدث عن تفاعل أحادي بين الدولة والمجتمع يترتب عليه تغير متناسب في أخلاقية الشعب باتجاه السياسة الرسمية السائدة. ويحدث التغير من خلال تأثير ميكانيكي يعتمد على فكرة النموذج والقدوة.

  وعن ابن الأثير يقول هادي العلوي:

  كان الوليد بن عبد الملك صاحب بناء واتخاذ المصانع والضياع، فكان الناس يلتقون في زمانه فيسأل بعضهم بعضاً عن البناء. وكان سليمان صاحب طعام ونكاح فكان الناس يسأل بعضهم بعضاً عن النكاح والطعام. وكان عمر بن عبد العزيز صاحب عبادة فكان الناس يسأل بعضهم بعضاً عن الخبر: وماوردك الليلة وكم تحفظ من القرآن وكم تصوم من الشهر..؟

  يريد ابن الأثير من هذه الحكاية، التي لا تخلو من مبالغة، تأكيد تبعية سلوك الناس للخليفة، بوصفه قدوة لهم. والتبعية هنا مباشرة وبسيطة تتمثل في ملاحظة سلوك الخليفة والاقتداء به عن وعي وقصد. وترجع فكرة القدوة إلى وقت مبكر، وقد نص القرآن على ضرورة الاقتداء بالنبي(ص) كأسوة حسنة للمؤمنين، تبصرهم بأبعاد السلوك المثالي. وهناك تصور مقارب يرد في روايات من عهد عمر.

  ففي الطبري: لما جيء بسيف كسرى ومنطقته وزِبرِجه إلى عمر قال: إن قوماً أدوا هذا لذوو أمانة.\" فعقب علي بن أبي طالب: \" إنك عففت فعفت الرعية\".

  ويتردد رأي في نفس المعنى يقول ابن سعد وابن الجوزي: إن عمر كتب به في جملة وصاياه إلى عماله. وإحدى صيغه تقول:\" إن الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإذا رتع الإمام رتعوا \" وتصدر هذه الملاحظات عن فكرة القدوة، فرجل الحكم إذا كان نزيهاً لزم الناس – ومنهم المسؤولون الثانويون- جانب العفة. وإذا كان سارقاً فلنا أن نتوقع أن يكون الناس سراقاً مثله (هل يحتاج العربي المعاصر إلى دليل نظري على صحة هذه القاعدة؟).

  وهنا ترتد سياسة السلطة على المجتمع، فتكسبه صبغتها الخاصة بها. بهذا المعنى ترد عبارة ينسبها ابن شعبة إلى علي بن أبي طالب تقول:\" الناس بأمرائهم أشبه منهم بآبائهم..\".

  الخليلي والشرقي والجواهري :

  إن حركة التنوير في سلالات التشيع العراقي المعاصر لم تتوقف عند الدكتور علي الوردي الذي ظهرت كتاباته في وقت متقارب مع الإعلان الشيعي الأول الفريد الصادر عن المرجع الكبير محمد حسين كاشف الغطاء في كتابه (أصل الشيعة وأصولها) في مطلع الخمسينات، حول مبايعة الإمام علي الشيخين والعمل المشترك معهما.

  ولو أتيح لباحث أن يتخصص بهذا الحقل لاتسعت أمامه فرص الكتابة لتشمل باحثين وشعراء كجعفر الخليلي والشيخ علي الشرقي والمؤرخ هاشم معروف الحسني، والشيخ عبد الله النعمة ومحسن الأمين العاملي في لبنان.

  إن جعفر الخليلي مثلاً وضع موسوعة العتبات المقدسة، وصارت مرجعاً للدراسات الدينية والأكاديمية، لكنه لم يوفق في تعميم نموذجه المستقل في الأوساط الدينية التي كان قريباً منها.

  أما الشيخ علي الشرقي، وهو فقيه وكان أستاذاً للجواهري، وابن عمته فلم يقترب من النزاعات الطائفية، وبقي بعيداًَ عن منهج نقد الصحابة، وكان يرى من الأفضل للأجيال القادمة، وللمجتمع الإسلامي المعاصر أن ينأى عن دوران الحديث حول الخلافات التي حصلت في العصور الإسلامية واجترار روايات النزاع قائلاً:

  وخل واقعة الجملوالنحل تعمل للعسلأرأيت مزرعـــة البصـل ؟ دع عنك مروان الحمارللسع نعمل دائماًبلـــدي رؤوس كــــله

  أما الجواهري، أهم شاعر في تاريخ العرب المعاصر، وهو نجفي من سلالة فقهاء، فقد نأى بنفسه عن تداول لغة النزاع، وتأخذ الحوزات العلمية عليه أنه لم يلتفت مرة خلال ثمانين عاماً من تجربته الشعرية إلى القبب الذهبية حوله فيشير إليها بقصيدة أو بيت أو شطر.

  وفي استقرائي الخاص، أنه كان يفضل أي مدينة في العالم على مدينته ومسقط رأسه النجف، مما حداني إلى إثارة هذا الجانب في جلسة تلفزيونية نقلت من بغداد عام 1969، واشترك فيها علامة النحو الكوفي الدكتور مهدي المخزومي، والشاعران شاذل طاقة وشفيق الكمالي، وكاتب السطور بالإضافة إلى مدير الجلسة، إذ قلت:

  إن الجواهري نجفي عاق، وعقوقه هي التي أنجبت شاعراً من هذا الطراز. وبشكل عام، فقد تحرر الكتاب القوميون واليساريون الشيعة من عقدة عمر في ميراثهم الطويل، كما تجاوزتها دوائر الصراع، ونأى عنها في وقت مبكر، الزعيم السياسي ورئيس المجمع اللغوي العراقي الشيخ محمد رضا الشبيبي وشقيقه الشاعر محمد باقر الشبيبي والدكتور عبد الرزاق محي الدين، وهم في دائرة التشيع الديني لكنهم لم يقتربوا من تدوين ذلك في كتاب أو مقالة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  من تجارب المشاركة العلوية العمرية

  بعد أن انتهى الإمام الخميني من تأسيس جمهوريته العلوية،

  وجدنا التجربة العمرية شاخصة.

 

 

  جمهورية الخميني العلوية والتجربة العمرية

  في تاريخ الفقه الشيعي الحديث ينفرد المفكر الفقيه الإيراني شيخ الإسلام محمد حسين النائيني ـ نزيل النجف في العراق ـ برأي خطير، وهو يدلل على مشروعية تولي غير المجتهدين للسلطة الإسلامية، فيقرر، كما يقول المفكر السعودي الشيعي توفيق السيف(*)، ترجيح رأي الولي النوعي، في مجال عمله ومشروعية عمله تبعاً لترجيحاته اذا كان مأذونا في الولاية.

  إن الولي النوعي المقصود هنا هو صاحب الكفاءة، الذي يتولى عملا من أعمال الدولة، فيكون صاحب اختصاص فيه. وهذا مشابه لما ذهب إليه قليل من الفقهاء الذين اشترطوا الخبرة النوعية في صاحب الولاية مثل كاشف الغطاء والخميني.

  وفي هذا الرأي اعتراف ضمني، وإن لم يُصرح به بصواب نظرية عمر بن الخطاب في اعتماد (غير المجتهدين) ولاة وأمراء ممن يطلق عليهم الشيخ النائيني في رسالته المثيرة: (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) الولي النوعي. ويفهم الدكتور توفيق السيف أن الخبرة النوعية في أمر الولاية مقدمة على الاجتهاد في الفقه بالمعنى المتداول مع الاحتياط ونيل الأذن من الفقيه الأعلى.

  أصدر عمر بن الخطاب بعد الإطاحة بالسلالة الكسروية، أمراً أبلغه سعد بن أبي وقاص يستصفي ماكان لآل كسرى، ومن لجّ معهم من الدهاقين والقادة، من أموال، ووجد عمر كما يقول محمود شلبي في كتابه حياة عمر، طبقتين في بلاد فارس، عالية شامخ

المزيد


أعزائي إليكم إطلالة المفكر العراقي الكبير حسن العلوي"عمر والتشيع" 11فهل أدرك صفويو العصر الجديد؟؟؟

سبتمبر 19th, 2007 كتبها مهدي مصطفى نشر في , أسرار سياسية, تاريخ, تحقيقات سياسية, ثقافة, سيرة ذاتية, وثائق

 11

 

 

  الـتنــويــر الشـــيعي

  الـمُشرق والمحدود التأثير

 

 

  الـمـدرســة الـمصرية:

  طبيعة المصريين الميّالة إلى الاعتدال، غلبت الأفكار والعقائد والاتجاهات المتشددة من أي مصدر صدرت، وأفرغت جانب التراكم الطائفي في المرحلة الفاطمية إزاء عمر بن الخطاب، مثلما أقصت التراكم الطائفي للمرحلة الأيوبية وأنتجت ثقافة ًإسلامية تستلهم في حيادها المذهبي روح زيد بن علي وممثله الفخري في العراق أبي حنيفة النعمان بن ثابت.

  ومع تواضع الأداء السياسي والفكري للزيدية في العصور المتأخرة حتى رُكنت مهملةً في تكايا اليمن المتوكلية، إلا أن التماس التأثير المكشوف على بعض المدارس العربية المتأخرة لموقفها العملي من الخلافة الراشدة يمكن رؤيته بسهولة في المدرسة المصرية وتأثيراتها العربية.

  إن طه حسين والعقاد ومحمد حسين هيكل وبنت الشاطىء وعبد الحليم الجندي وعبد الفتاح مقصود وعبد الرحمن الشرقاوي إنما يمثلون الخط المحمدي، والفهم الزيدي القائم على استلال عمر وأبي بكر وعثمان من العجينة الأموية، فشكلوا موقفاً وسطاً بين خطين، هما النهج الأموي من جهة والنهج الصفوي من جهة أخرى، وهذان يسعيان بل يقرّان نهائياً بانتماء عمر بن الخطاب وأبي بكر للنهج الأموي فيبدو سيّان عندهم عمر ومعاوية وأبا بكر ومروان بن الحكم.

  إن الشيعة الإمامية يرتاحون لخطاب يُعطي عمر للأمويين ويحملونه مسؤولية تأسيس الخط الأموي. إن المشاركة مبدأ عرضته المدرسة المصرية قبل أن يلتفت إليه فقهاء ومفكرون شيعة في تاريخ الإسلام.

  فقهاء المشاركة

  الفقيه الشيعي في مراتبه العليا مرجع وليس داعية؛ ينقطع عن المجتمع في وقت مبكر، فلا يعود صديقاً في المستشفى ولا يعزي آخر، ولا يتحدث في وسائل الإعلام، ولا يكتب في وسائل النشر، ويلازم بيته ولا يخرج إلا إلى الصلاة في صحن الإمام، الذي يقيم الفقيه حول ضريحه. وقد يرتب لمسؤول الدولة الأول موعد معه داخل الصحن. فإذا تحدث مع ضيفه فلا يكاد يسمع له صوت، ولولا حركة طفيفة في نهايات شعرات لحيته لما حسبته يتكلم!.

  إن تقاليد المرجعية صارمة، ويتفق عندها فقهاء القطيعة والمشاركة.

  لكن بعضهم خرج على هذه المحكومات الشرطية فصار يتحدث في السياسة اليومية ويقف خطيبا بين الأتباع، ويقود مظاهرة يعبر فيها الجسر من مدينة الكاظمية الشيعية إلى مدينة الأعظمية السنية كالشيخ الثائر الإمام محمد مهدي الخالصي ليصلي في مسجد أبي حنيفة.

  وقد يكتب في المجلات العربية ويراسل المؤسسات ويحضر المؤتمرات ويناظر الأدباء ويحقق دواوين الشعراء(*) ويكتب لبعضهم مقدمة الديوان ويمضي شهورا في جولات عربية كالمرجع الكبير الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء (1876 - 1954) والمرجع الحالي السيد محمد حسين فضل الله، وان كان الأخير أبطأ حركة من شيخه وأستاذه كاشف الغطاء.

  ويتفق هؤلاء المراجع في كونهم خارج المنهج الصفوي وهم لايرون مايضر (بالعامة) نافعا للشيعة، ولايرتاحون لحديث يثني على الإمام علي بن أبي طالب بهجاء عمر بن الخطاب، ولا يأخذون بروايات الفرقة والانقسام، أي ليسوا من دعاة القطيعة.

  إن كاشف الغطاء من رواد نظرية المشاركة يكتب في (أصل الشيعة وأصولها) نصا تترجرج أمامه أقانيم الهيكل الذي بناه الشيخ علي الكركي والملا محمد باقر المجلسي والسيد الكاظميني البروجردي!.

  ولم تكن المراجع العليا تشتغل بحقول الأدب والشعر، بل الاتجاه العام لايخلو من ازدراء بالشعر والأدب، ويعزو بعض المؤرخين ذلك إلى عجمة بعض المراجع الذين يفتقرون إلى الذائقة الأدبية. بنيما تجاوز هذه العقدة الفقهاء من أصول عربية وربما هجر بعضهم الدراسات الفقهية، وانحاز إلى الإبداع الأدبي كالجواهري وعبد الرزاق محي الدين ومهدي المخزومي ومحمد رضا الشبيبي، و حاول فريق آخر مزاوجة الأدب والفقه كالشيخ احمد الوائلي والسيد مصطفى جمال الدين، فلم يطغ أحدهما على الأخر.

  أما الفقهاء الأدباء فعميدهم محمد سعيد الحبوبي، وأبرزهم محمد الحسين كاشف الغطاء وجميع من وردت أسماؤهم في هذه الحاشية هم من أهل التشيع العربي القائلين بمبدأ المشاركة. وجرى التقييم عليهم في معظم الأحكام والروايات والدراسات في الحوزات الدينية.

  يقول نص المرجع الإمام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء منقولا عن كتابه أصل الشيعة وأصولها الطبعة الثالثة الصادرة عن دار الأضواء في بيروت عام 2003، تحقيق العلامة الشيخ محمد جعفر شمس الدين.

  \" ثم لما ارتحل الرسول من هذه الدار إلى دار القرار، ورأى جمع من الصحابة أن لا تكون الخلافة لعلي(ع)، إما لصغر سنه، أو لأن قريشا كرهت أن تجتمع النبوة والخلافة لبني هاشم، زعما منهم أن النبوة والخلافة إليهم يضعونها حيث شاؤوا، أو لأمور أخرى لسنا في صدد البحث عنها ولكنه باتفاق الفريقين امتنع أولا عن البيعة، بل في صحيح البخاري في باب غزوة خيبر أنه لم يبايع إلا بعد ستة أشهر، وتبعه على ذلك جماعة من عيون الصحابة كالزبير وعمار والمقداد وآخرين.

  ثم لما رأى تخلفه يوجب فتقا في الإسلام لا يرتق، وكسراً لا يجبر، فكل واحد يعلم أن عليا ما كان يطلب الخلافة رغبة في الامرة، ولاحرصاً على الملك والغلبة والاثرة، وحديثه مع ابن عباس بذي قار مشهور، وإنما يريد تقوية الإسلام وتوسيع نطاقه ومد رواقه وإقامة الحق وإماتة الباطل، وحين رأى أن الخليفتين – أعني الخليفة الأول والثاني – بذلا أقصى الجهد في نشر كلمة التوحيد وتجهيز الجنود وتوسيع الفتوح ولم يستأثرا ولم يستبدا، بايع وسالم وأغضى عما يراه حقا له محافظة على الإسلام أن تتصدع وحدته، وتتفرق كلمته، ويعود الناس الى جاهليتهم الأولى، وبقي شيعته منضوين تحت جناحه ومستنيرين بمصباحه، ولم يكن للشيعة والتشيع يومئذ مجال للظهور لأن الإسلام كان يجري على مناهجه القويمة، حتى إذا تميز الحق من الباطل، وتبين الرشد من الغي، وامتنع معاوية عن البيعة لعلي وحاربه في \" صفين\"، انضم بقية الصحابة إلى علي حتى قتل أكثرهم تحت رايته، وكان معه من عظماء أصحاب النبي(ص) ثمانون رجلا كلهم بدري عقبي كعمار بن ياسر وخزيمة ذي الشهادتين وأبي أيوب الأنصاري ونظرائهم \".

  لم يكتب الرواج والانتشار لنص صادر عن المرجع الإسلامي الكبير الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء، لأنه يتعارض مع المناهج التي تستبد بالمؤسسات الدينية وتكاد تحتكر النتاجات الفقهية والفكرية قبل أن تتحول مؤخراً إلى مؤسسات سياسية بقي كاشف الغطاء دون الدرجات العليا في تقويمات هذه المؤسسة قياساً إلى من كانوا أقل منه علماً وعدلاً.

  ويسجل لكاتب السطور إنه يقود حملة منذ ثلاثين عاماً لتسليط الضوء على هذه الشخصية في مختلف جوانبها. وكان الشيخ كاشف الغطاء رائد الاتجاه الذي ساد الأوساط الإسلامية مؤخراً في تعارض حقيقي بين الإسلام والدول الاستعمارية والرأسمالية، منذ أن وضع \"المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون\". رداً على دعوة من الولايات المتحدة الأمريكية له بالاشتراك في مؤتمر إسلامي في مدينة بحمدون اللبنانية، للتنسيق المشترك ومواجهة التحديات في المنطقة.

  علي شريعتي:

  نظرية النطف الكسروية:

  نترك للدكتور علي شريعتي الاستفاضة في طرح وشرح ومناقشة نظريته في النطف الكسروية ولا بأس بعدها بمداخلة قد لا تبتعد عنها كثيراً.

  ففي ربيع الأبرار للزمخشري وهو من علماء السنة المشهورين أن لله خيرتين: من العرب بنو هاشم ومن العجم فارس. وأن الإمام زين العابدين علي بن الحسين معروف بين المحدثين بابن الخيرتين.

  إن الدكتور شريعتي استثمر إضطراب الرواية، وتعارضها مع بعضها للطعن بها، وإن كانت شائعة حتى يومنا هذا، عند المؤرخين ولدى القوميين الفرس والقوميين العرب.

  والثابت عندهم حصول سبي بنات كسرى يزدجرد، فإذا حدث ذلك في زمن عمر بن الخطاب, كما تروج الرواية فسيحدث السبي عام 18 للهجرة أو في أقصى تاريخ وهو العام 22 منها، فيكون كما يقول شريعتي ذلك سبباً في رفضها، وقد ولد الإمام علي بن الحسين في عام 38 للهجرة وقيل 37 للهجرة أي بعد الزواج المفترض بعشرين عاماً.

  لكن الإصرار على وقوع الأسر في زمن عمر، ينسجم مع فتح بلاد فارس في ذلك الوقت, والرغبة في صياغة حوار بين بنت كسرى أو بناته وبين الخليفة صحيح حيث تشير الرواية إلى أن بنت كسرى كانت تلعن الزمن الذي صار فيه سادة فارس أسارى تحت حكم رجل كعمر، وأن الإمام علي كان يترجم لعمر، وهذه وظيفة جديدة للإمام لم يتحدث عنها المؤرخون، ولم يُشَر إلى معرفة الإمام علي باللغة الفارسية. فإذا كانت الرواية قد أدخلته في علاقات (سرية) لا نعرفها مع بلاد فارس مكنته من إتقان الفارسية، فلم نعرف أية لغة فارسية منها كانت هذه وهم يتحدثون بأكثر من واحدة تختلف كلياً عن الأخرى.

  فهل أرادت الرواية أن توثق صلة الإمام بصحابي جليل كسلمان الفارسي واحتمال أنه تعلم منه لغته الأم، ولم يتحدث مؤرخ عن شيءٍ من هذا.؟. وإنما هي فرضية نفترضها.

  في العودة إلى الرواية، أراد عمر بيعها، فلم يوافق الإمام علي قائلاً: إن بنات الملوك لا تباع، ولو كنّ كفاراً، فأعطاها حق اختيار الزوج بنفسها فاختارت الإمام الحسين.

  والذي نعرفه أن كسرى يزدجر كان ينسحب من المدن، التي يحتلها المسلمون فيتراجع إلى مدينة أخرى، حتى استقر في خراسان، فتوقف الأحنف بن قيس عن ملاحقته، وبقي معزولاً في تلك الأصقاع إلى أن توفي في خلافة عثمان.

  فهل ترك كسرى بناته في المدائن عام 18 فأسرهن المسلمون؟ أم أنه انسحب مع عائلته وجيشه إلى ما بعد خراسان, وفي هذه الحالة، كيف أُخذت بنات كسرى أسارى؟.

  تقول رواية أخرى: إن اثنتين من بنات كسرى توفيتا عند النفاس، ومنهما زوجة الإمام الحسين، لكن وليدها عاش وهو زين العابدين.

  ويبدو أن الرواية لم تشأ ترك الإمام الحسين بلا زوجة فارسية, ولكي تستمر نظرية النطف، فقد قيل: إن بنت كسرى الأخرى تزوجت عبد الله بن عمر, وأنجبت ابنه سالم. وإن الثالثة تزوجت محمد بن أبي بكر فولدت منه القاسم. وبعد وفاة محمد بن أبي بكر تزوج الإمام الحسين أرملة بنت كسرى الثانية، وهي التي أشرفت على تربية زين العابدين.

  وفي رواية رابعة قيل: إن عثمان بعد فتح خراسان أخذ اثنتين فقط من بنات كسرى، وزوجهما للحسن والحسين وماتتا في النفاس.

  وحتى يتم التخلص من إشكالات أخرى، وتستقيم نظرية النطف، فقد زعمت رواية سادسة أن والياً للإمام علي قد حصل على اثنتين من بنات كسرى فتم زواج الحسين.

  وهكذا تعرضت بنات كسرى للأسر في ثلاثة عهود لثلاثة خلفاء, لكن الزوج هو الحسين في كل مرة ويشاركه شقيقه, أو ابن أبي بكر وعمر.

  وبعد أن أعلنوا عن وفاة بنت كسرى في النفاس، وقد وضعوا لها عدداً من الأسماء، تقدمت رواية جديدة أن بنت كسرى عاشت مع الحسين إلى معركة الطف، فألقت بنفسها في الفرات حزناً على مقتل الإمام،وطبيعي أن يروج لهذه الرواية لأنها تؤدي دوراً أكبر في ترسيخ النطف الفارسية،مما لو ماتت بنت كسرى في وقت مبكر ولم تشهد الفاجعة.

  تقول مصادر أخرى: إنه لم يكن أحد من أهل المدينة يرغب في نكاح الجواري حتى ولد علي بن الحسين،فصاروا يرغبون بالزواج منهن.

  وإذا كان الشيعة قد ذهبوا إلى الفرس بزواج الإمام الحسين من بنت كسرى, فلماذا لم تذهب العرب الأخرى بعد زواج عبد الله بن عمر ومحمد بن أبي بكر من بنتيه الأخريين إلى بلاد العجم ويصبحوا فرساً مثلما أمسى التشيع عليه في مشروع تعجيم الشيعة؟..

  إن الحديث عن مصير بنات الملوك بعد الحروب يغري الرواة وناسجي القصص المثيرة منذ عهود تسبق كسرى، وحتى يومنا الذي يتحدث فيه الأستاذ محمد حسنين هيكل في تلفزيون الجزيرة عن شقيقات وبنات الملك فاروق بعد الثورة المصرية في يوليو 1952.

  وكنت شخصياً قد أوشكت أن أقنع الشريف المرحوم حسين بن علي والد الشريف علي بن الحسين، قبل ربع قرن لنشر قصة آخر بنات ملك الحجاز وزعيم الثورة العربية زوجته بديعة بنت الشريف الحسين بن علي، وهي الآن في العقد العاشر وما حدث لها بعد سقوط العرش الهاشمي في العراق عام 1958, فحالت أمور دون ذلك، إلى أن نشر الأستاذ فائق الشيخ علي كتاباً موسعاً عنها لم يأخذ مداه المفترض.

  عروس المدائن في المدينة:

  لم أجد مناصاً من أن أترك لقلم شريعتي وحده وبلغته المتدفقة وأصالته الإسلامية ودفاعه عن أهل البيت منقولاً عن كتابه التشيع الصفوي والتشيع العلوي يعالج أخطر رواية تداولها المؤرخون الإسلاميون وبقيت راسخة بالجذور التاريخية للتشيع الذي استقر في إيران.

  يروي العلامة المجلسي في بحار الأنوار(ج11 ص4) – بعد نقل أخبار حول زواج الإمام مثيرة للغثيان – إن والدة الإمام هي بنت يزدجرد التي جيء بها أسيرة في زمان الخليفة عمر، وقد أعجب بها الإمام الحسين، وتزوجها فولد له منها ابن واحد هو الإمام زين العابدين (ع)(*).

  من جهة نحن نعلم أن الإمام السجاد ولد عام 37هـ، أي بعد عشرين عاماً من زواج أمه من الإمام الحسين!.

  وقد صرحت هذه القصة بأن (شهر بانو) كانت من أسرى فتح المدائن، وأن عمر كان ينوي قتلها، ولكن الإمام علي هو الذي أنجاها من الموت، وواضح جداً أن واضعي هذه القصة هم من أنصار الشعوبية الإيرانية، وأنهم أرادوا من ذلك إظهار أن عليا(ع) كان يساند الساسانيين، ويدافع عنهم وذلك في مقابل عمر الذي كان عدوهم وهازم جيوشهم!.

  غير أن هؤلاء فاتهم أنهم حينما أرادوا إثبات أن الإمام السجاد هو حفيد يزدجرد وأمه شهربانو، أوقعوا أنفسهم في إشكال تاريخي عويص وهو لزوم أن يكون الإمام الحسين تزوج في العام 18 للهجرة (عمره حينها 15 سنة) بينما الإمام السجاد ولد العام 38 للهجرة، ومن المنصوص عليه أنه لم يولد له من شهر بانو سوى الإمام السجاد، وهذا يعني أنها لم تلد من الإمام الحسين إلا بعد مضي عشرين عاماً.

  غير أن العلامة المجلسي عندما تنبه إلى هذه المشكلة بالرواية حاول ترقيعها بالقول: إنه ليس من المستبعد أن تكون كلمة (عمر) الواردة في الرواية تصحيفاً لكلمة (عثمان) فيكون الزواج قد تم في عهد عثمان لا في عهد عمر!.

  والواقع أن هذه المحاولة – إذا قبلت – فإنها سوف تحل إشكال التفاوت الكبير بين وقت الزواج ووقت الولادة، ولكن إشكالا آخر أكثر إحراجا سوف يظهر فيها وهو طول المسافة الزمنية بين انكسار جيش يزدجرد وبين أسر بناته!. هذا مضافاً إلى أن الرواية تضمنت التصريح بأن الأسرى هم أسرى (المدائن) فهل يقول العلامة المجلسي أنها مصحفة أيضا؟.

  ويتطرق العلامة المجلسي إلى بيان اسم أم الإمام وهل هي سلامة أو خولة أو غزالة أو شاه زنان أو.. فيقول: إنهم جاءوا ببنت يزدجرد إلى المدينة وما أن وقعت عينها على عمر حتى غضبت وسبت عمر، فسبها هو أيضاً، وأمر بأن تباع شأن سائر الأسرى فاعترضه أمير المؤمنين بالقول: إن بنات الملوك لا تباع وتشترى، وإن كانوا كفاراً وأشار عليه بأن يزوجها رجلاً من المسلمين ويدفع صداقها من بيت المال! وفي ذيل هذه الرواية المنسوبة إلى الإمام الصادق، نصغي إلى الحوار الآتي بين الإمام علي وابنة يزدجرد:

  فقال \" جه نام داري أي كنيزك؟\" يعني ما اسمك ياصبية؟!.

  قالت: جهان شاه.

  فقال: بل شهربانويه.

  قالت: تلك اختي.

  قال:\" راست كفتي \" أي صدقت…!

  ويبدو أن الناقل (أو المختلق) لهذه الرواية، لم يكن يدري أن الإمام علي حتى لو سلمنا أنه تحدث معها بالفارسية، إلا أن اللغة التي كان سيتحدث بها لم تكن مفهومة عند بنت يزدجرد، وذلك لان الإمام يتحدث باللهجة الفارسية الدرية، وهي لهجة محلية لأهالي خراسان بينما كانت بنت يزدجرد تتحدث باللغة البهلوية الساسانية! هذا أولا، وثانياً أن عبارة \" أي كنيزك\" الواردة في الرواية من الواضح أنها من الاصطلاحات الرائجة في زمان (الراوي) لا في زمان الحدث.

  وإذا أمعنا النظر في الرواية نلاحظ شيئاً غريباً، وهو أن الإمام كان يخاطبها بالفارسية بينما هي تجيب بالعربية.

  والأغرب من ذلك التوجيه الذي ذكره العلامة المجلسي بإزاء تسمية الإمام لها بـ(شهربانويه) بدلاً من (جهان شاه) حيث أعزا العلامة ذلك إلى أن كلمة (شاه) هي من أسماء الله تعالى مستدلاً على ذلك بما جاء في الخبر من أن علة النهي عن الشطرنج وجود عبارة الشاه مات، ووالله أن الشاه لا يموت!!.

  شريعتي والعسكري:

  السيد مرتضى العسكري فقيه بدرجة آية الله وهو أكبر معمر بين فقهاء التشيع حالياً وسنه عبرت المئة، وهو عندي البقية الباقية من مؤرخي العصور الإسلامية كالطبري وابن الأثير واليعقوبي، حيث تتجاوز اهتماماته في التاريخ العام اهتماماته الفقهية، وهو صاحب كتاب معالم المدرستين وكتاب خمسون ومئة صحابي مختلق، والأخير على غرار كتابات طه حسين في الأدب الجاهلي.

  طلب السيد العسكري إلي في لقاء جمعنا في لندن منتصف الثمانينات الميلادي وبحضور السياسي العراقي سعد صالح جبر، أن أتتلمذ عليه قائلاً: إنه شديد الاعتزاز بأن أكون ثالث تلميذ له بعد السيد محمد باقر الصدر والدكتور داود العطار، وكان السيد العسكري قد أعد نقداً لكتابي في عبد الكريم قاسم، فاعتذرت له بأني من تلامذة الوردي وعارفي فضل شريعتي . فقال: وما المانع من أن يستقيم المرء بعد اعوجاج. وكان السيد العسكري قد تبنى حملة للرد على كتابات علي الوردي، ونشر ك

المزيد


أعزائي إليكم إطلالة المفكر العراقي الكبير حسن العلوي"عمر والتشيع" (8) فهل أدرك صفويو العصر الجديد؟؟؟

سبتمبر 19th, 2007 كتبها مهدي مصطفى نشر في , أسرار سياسية, تاريخ, تحقيقات سياسية, ثقافة, سيرة ذاتية, وثائق

 

  (9)

 

 

 

 

  البــاب الثاني

 

 

 

  l عمر في المنظور الشيعي

 

  l المشاركة عند فقهاء العرب

  l والقطيعة عند فقهاء المثالب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  فقه القطيـعـة .. وفقهاء المثالب:

  المتغلبون في الدرس والأسطورة والمنبر

 

 

 

  عمر والقطيعة.. المناصفة الخاسرة

  المتفرج على الحاضر الإسلامي، وقارئ المرويات التاريخية، وجليس المنابر والشاشات مقتنع، دون ريب، بانشطار الجسد الإسلامي إلى فريقين، هذا لعمر وذاك عليه. فربح القائلون بالقطيعة نصف التاريخ، واستقلوا بنصف الخطاب ونصف الاهتمام، وأكثر من نصف الاستشكالات الراهنة.

  وهذه خطيئة الأخطاء، وخديعة الرؤية، والقصور عن التفريق بين ظاهرتي الانشطار والانشقاق.

  إن عمر في رؤية الانشطار، يتطفف نصفا من التاريخ، ونصفاً من الناس، ونصفاً من المكانة. فخرج الرجل خاسراً في قسمة تعطي المنشقين صفة الانشطار، وتترك الجسد الإسلامي وكأنه مقسوم من الوسط.

  وعمر تسعون، وانزل إلى السبعين وليس للآخرين مابقي من المائة. إذ لا يجمع التشيّع على كراهة عمر، وإنما انشق من داخله تيار سرعان مااتسع حجمه، هو الذي نصطلح عليه بالقطيعة، معتمداً منهج الأقلية في اللجوء إلى التشهير.

  إن منهج القطيعة لم يظهر في العصور الإسلامية الأولى، يوم كان أهل البيت يقودون أتباعهم على منهج الإمام الأول، شريكاً مع شريك، ومؤسساً مع مؤسس.

  والشيعة تعني في أصلها اللغوي الأتباع والأنصار والأعوان، وكل جماعة اجتمعوا على أمر فهم شيعة، واشتهرت هذه اللفظة عند إطلاقها على من يوالي الإمام علي بن أبي طالب وأهل بيته، حتى صار اسماً خاصاً بهم، وإلى ذلك يذهب ابن خلدون في مقدمته، فيقول:

  الشيعة لغة هم الصحب والأتباع، ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف على أتباع علي وبنيه.

  تذهب مصادر شيعية إلى أن أول اسم ظهر في الإسلام على عهد رسول الله (ص) هو الشيعة. ويؤيد مرجع سني هو الأستاذ محمد كرد علي، في كتاب (خطط الشام) أن جماعة من كبار الصحابة عرفوا بموالاة علي في عصر الرسول (ص)، مثل سلمان الفارسي وأبي سعيد الخدري وأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان، وخزيمة بن ثابت، وأبو أيوب الأنصاري، وخالد بن سعيد بن العاص، وقيس بن سعد بن عبادة، ويضاف إليهم صحابة آخرون كعامر بن وائله والمقداد بن الأسود.

  لعل القائلين بالقطيعة قد استفادوا من هذه الحالة التاريخية، فأوحوا في مروياتهم أن هؤلاء الصحابة الذين شكلوا تجمعاً تنظمه رؤية واحدة في مولاة الإمام علي كأنهم مؤسسو تجمع مذهبي وحزبي وسياسي. والى هذا انتبه الفقيه الشيعي عبد الله النعمة في كتابه روح التشيع، فأنكر أن يكون لهذه الجماعة أهداف خاصة.

  ولم يكن لهؤلاء الأفراد في ذلك العهد أي مركز قوة معارضة داخل ذلك المجتمع، وكانت رؤيتها قائمة على قناعة بأن هذه الموالاة هي من صميم الإسلام وروحه.

  إلاّ أن اتجاهات القطيعة كرست عكس ما يذهب إليه الشيخ عبد الله النعمة، فصار هؤلاء الصحابة هم اللبنة الأولى في مذهب التشيّع، مقابل جماعة من الصحابة يتزعمهم أبو بكر الذي شكل أول خلية في تنظيم الإسلام ضمّت عبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وعثمان بن عفان وآخرين. وكان سعد بن أبي وقاص أصغر عضو فيها، وهي التي كبرت سنة بعد أخرى. ولم يشكل هؤلاء مجموعة من الموالين لأبي بكر، وإنما اجتمعوا على ضوء ماكان يصلهم من تعاليم النبي (ص)، ولم يكن عمر بن الخطاب قد أسلم بعد، ولم يلتق بأبي بكر إلا بعد ست سنوات، ولم يكن الإمام علي هو الآخر عضواً في هذه الخلية لحداثة سنه قياساً لمعدل أعمار هذه الخلية، إذ الفرق سيربو على أكثر من عشرين عاماً. ولأن الإمام علي كان في ذلك الوقت ربيب النبي (ص) ومريده، وقد توهج اسمه بعد أن كلفه النبي (ص) بالنوم في فراشه أثناء هجرته إلى المدينة، وما تركه هذا التكليف على تركيز الاهتمام بشخصية هذا الفتى وفدائيته العالية.

  وبدأت إشعاعات الإمام علي تجتذب إلى شخصيته الكثير من الصحابة بعد عشر سنوات على الأقل من ظهور خلية أبي بكر، فلم تكن الموالاة للإمام ردّ فعل على تلك الجماعة ولا نقيضاً لها. وكانت معارك الرسول الأولى في المدينة قد ألقت أضواءً أخرى على شخصية الإمام علي الذي لم يخسر أو يتراجع أو يتردد في معركة منها.

  إن تسع نظريات على الأقل اختلفت في زمن ظهور التشيّع، فالمصادر الشيعية تسحب الزمن إلى الوراء وصولاً إلى زمن صدر الإسلام، وبعض المصادر السنية تؤخر في ظهور التشيّع، حتى نسب بعضها ظهوره إلى فاجعة كربلاء ومقتل الإمام الحسين. وبين هذين التاريخين يمكن الإشارة إلى يوم السقيفة باعتباره اليوم الذي ظهر فيه التشيّع، عندما تخلف الإمام علي عن مبايعة أبي بكر في طائفة من الصحابة.

  ومنهم من يفترض ولادة الشيعة يوم الشورى، بعد وفاة عمر بن الخطاب، ومنهم من يفترض يوم الدار حين أحاط المتظاهرون بعثمان بن عفان وحاصروه في داره وقتلوه، ومنهم من يفترض يوم واقعة الجمل.

  لكن كثيرين يشيرون إلى معركة صفين بين الإمام علي ومعاوية.

  ولا ننسى من يؤرخ ولادة الشيعة بظهور عبد الله بن سبأ، وهي الرواية الشائعة حالياً، والمضعفة عند كثير من المؤرخين.

  وقد ننزل مع التاريخ إلى المائة الثانية للهجرة، فينسب ظهور التشيّع إلى زمن الإمام جعفر الصادق وتلميذه هشام بن الحكم، الذي قام بدور التشكيل الهندسي والبناء الفكري لفكر الإمام جعفر الصادق، يشبه إلى حد دور الفقيه أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة في صياغة المذهب الحنفي.

  ولو أجرى معهد غالوب المعروف بدقته استبياناً في أروقة القطيعة لحصل الإجماع على يوم السقيفة، حيث يشخص عمر بن الخطاب وجها لوجه، فيصب على وجهه مصبوب المرويات منذ ذلك التاريخ. فكأن الأمة قد انشطرت بالسقيفة إلى شطرين. وعنهما نجمت ثنائية عمر وعلي، ولعل هذه النتائج المفترضة ستكون أخف ضرراً من تأصيل الفرقة بزمن النبي (ص)، وكأن الإسلام ولد مشطوراً. وكأن النبي (ص) كان يتحرك بجناحين، على غرار الواقع السياسي الراهن، جناح لعلي وآخر لأبي يكر، ولا بأس أن يسارع حملة الأيدولوجيا إلى تسمية أحدهما باليسار، وثانيهما باليمين، ويصبح الإمام علي زعيم اليسار، وأبو بكر زعيم اليمين، فيسقط التاريخ بإسقاطات الحاضر.

  فقهاء التنقيص!!.

  إن الكتابة الآن في عمر اختراق لحملة التنقيص التي تضرب التاريخ الإسلامي والإسلاميين من خارجهم، بعد أن كان منهج التنقيص محصوراً في إطار الثقافة والمثقفين الإسلاميين المستغرقين في صراعاتهم، فلا يدخل ميدان التنقيص، إلا فقيه بالمذاهب، وعالم بالرجال، ومحدث يستوعب علم الحديث ومدارسه. ومنطيق درس أرسطو، وأديب تعلم في مدارس البلاغة.

  وباستمرار المناقصات، تتضاءل حجوم الرجال الأوائل، وتطغى المثالب على المكارم.

  إن فقهاء الخلاف هم المتخصصون بهذا المنهج، لم يشاركهم غيرهم فيه، فإذا كتب العلمانيون في مطلع القرن الماضي، وحتى ربعه الثالث، فإنما يخضعون لقوانين الصراع الاجتماعي، ومفسرات السايكولوجية البشرية، وفي الحالتين يبدو عامة الناس عاجزين عن دور كهذا. والناس مبرأون من مثالب التنقيص. لكنهم يتلقون معلومات العلماء والمؤرخين عن طريق وسيط فتتحول الأحداث في مخيلتهم إلى نقائضها. أو يضاف إليها، فإذا ضعفت المعلومات بعوامل النسيان والاندثار، طلع عليهم الدعاة بما يجدد شبابها، فيعيد الحياة إلى عمر ذئباً يترصد علياً، أو قد يصبح قاتل الحسين هو قاتل الفتنة.

  ولهذا فإن الاعتقاد بدور كبير للمتنورين من علماء اجتماع وكتاب وشعراء سيبدو غير دقيق، وعاجزاً عن التأثير في معتقدات معمرة، ومشاعر متأصلة.

  إن التنقيص، هو المقابل اللغوي لنزعة الهجاء التي تجد لها دعاة ومستمعين، سوى أنه هجاء يستهدف الشخصيات الكبيرة، من أهل البيت، والصحابة، ورؤوساء المذاهب، ومن هنا خطورة التنقيص على سلامة المعلومات التاريخية. لا سيما أنه من شغل الكبار، فقد اشتغل أعظم أديب عربي، كالجاحظ في منهج التنقيص، في كتابه (العثمانية) الذي لم يتورع فيه عن سلب الإمام علي فضائله المنصوص عليها في كلام الله. وحديث رسوله، وعلى لسان الصحابة، فيرد على معتزل البصرة معتزلي من مدرسة بغداد، هو أبو جعفر الاسكافي، مدافعاً عن الأمانة التاريخية، والمكارم العلوية، فما الذي يستطيع فعله الفقراء والجهلاء والدهماء المتهمون، بأنهم حملة الفصل والتشهير الطائفي؟.

  وتؤكد الموجة الحالية لحملة التنقيص وجهة نظرنا هذه ورجال التنقيص أدباء ومؤرخون وكتاب، خرجوا من حمأة الصراع الطائفي متسامين عليه، متساقطين في حمأة التشكيك، لينالوا بالدرجة الأولى من شخصية النبي (ص)، وفصل حركته عن إرادة السماء، واعتبارها سلكاً موصولاً بحلم السيادة القرشية، والرغبة الهاشمية القديمة بإقامة دولة مكة.

  وأوغل كتاب الموجة النزقة في التعريض الشخصي، فدخلوا غرفة نومه، وبين أزواجه، مما تشكل الرسوم الدانماركية، قياساً لكتابات تصدرها مؤسسات عربية مسلمة، مجرد طرفة!.

  وطالما أن الحملة أنجزت مشروع الفصل وسارت على النبي محمد(ص) رجلاً حالماً، بدولة قرشية، سهل عليهم أن يجردوا أصحابه ورجاله المؤسسين من حلة الاحترام، مستفيدين من ميراث وافر لفقهاء التنقيص الأوائل، يردون على أقوال من يطعنهم بالتشهير، وليس عليهم أن يصنعوا الروايات، أو يكتبوا التاريخ من جديد، فالمتناول من الأقوال مٌستمد من كتب الفقهاء والعلماء والأدباء الأوائل المتورطين في حملة التنقيص.

  ومن الإنصاف أن كتاب الموجة النزقة قد يتوقفون عن نقل روايات لم يتوقف عن ترديدها فقهاء الصراع تجنباً لمساءلات قانونية أو ردات فعل شعبية. ولم يجرؤ كاتب من الملاحدة أن يترضى عن قاتل عمر بن الخطاب فيقول أبو لؤلؤة رضي الله عنه، ولا أن يترضى عن قاتل حفيد نبي المسلمين،وسبي حفيداته، حافيات من الكوفة إلى الشام. فيما كان عمر يرفض سبي نساء العرب في قبائل مرتدة، معترضاً على صاحبه أبي بكر، فأعاد السبي إلى ديارهم. إن كتب الفرق والطوائف والمذاهب شكلت مادة أساسية للتشهير الاستشراقي والعلماني بالإسلام.

  ثنائية القطيعة والمشاركة:

  أغلب الظن أن الانشقاق الإسلامي سيأخذ بعداً تلتبس فيه الانتماءات لو استفرغ الفقهاء والمثقفون بعض جهدهم، فيما نتعارف عليه بثنائية القطيعة والمشاركة، وهل كان الإمام علي في الأولى أم في الثانية بعد وفاة النبي (ص) وظهور الخلافة الراشدة. فلعل الناس سنة وشيعة يخنفون حدة القسمة وهم فريقان: أحدهما يأخذ بنظرية القطيعة، والآخر بنظرية المشاركة.

  وأغلبية الناس على مبدأ المشاركة، وأن الإمام لم يستمر في معتكف القطيعة بعد وفاة النبي (ص) أكثر من ستة أشهر، فأعطى بيعته وتبعه بنو هاشم وبعض الصحابة ممن لم يكن قد دخل في البيعة بعد.

  إن التاريخ الإسلامي العام، وهو مدون بحرفية أكاديمية عالية، يصادق على القول بنظرية المشاركة. ولم يتحفظ مؤرخ إسلامي محترف، عن القول بها، وإن قطيعة الإمام لم تكن أبدية، وأنه جمَّد أو أجّل ماكان ينسب إليه من اعتراض على الخليفة الأول، وإن لم تكن درجة الاتصال بدار الخلافة قد تطورت إلى مرتبة المشاركة الواسعة في الخلافة الثانية. فنشأت بين الإمام والخليفة ثنائية استعاد فيها عمر ثنائيته مع أبي بكر، وكان يصغي للإمام علي، والإمام لا يضن عليه برأي الناصح، ولا بموقف عاضد.

  ويتفق على حصول تطور إلى حد الانعطاف في نظرية المشاركة كل من ابن سعد في طبقاته والطبري في تاريخ الملوك والمسعودي في مروج الذهب واليعقوبي في تاريخه والأصبهاني في أغانيه.

  والثلاثة الاخيرون محسوبون على التشيع.

  وعند رجال البحث الأكاديمي المعاصر إجماع لم يخرج عنه إسلامي أو علماني على القول بالمشاركة. فيلتقي طه حسين بغريمه عباس محمود العقاد، والأزهري محمد أبو زهرة بالعلماني عبد الرحمن الشرقاوي، وتنفرد المدرسة المصرية بثقة لم تكتسبها مدرسة معاصرة أخرى، وواحد من عناصر الثقة بها يقوم على نشاطها المحمدي في حقل المشاركة العلوية – العمرية.

  إن نفوذ القائلين بنظرية المشاركة هو المؤكد علمياً، والغالب عددياً، والنافذ المفعول في الثقافة المدنية القائمة على دراسة مستقلة وحرة للتاريخ، فطرقت أبواب التشيع في مركز عصب الخلاف، ولم تكن الاستجابة كبيرة في عصرنا، لكن مرجعاً كالإمام محمد الحسين كاشف الغطاء لم يتأخر عن إصدار الإعلان الشيعي الشجاع والأصيل في كتابه (أصل الشيعة وأصولها) الصادر منتصف الخمسينات الميلادية والقائل بثقل حجية المشاركة. وكان باحثون أكاديميون وموسوعيون في الجانبين الإسلامي والعلماني من دعاة المشاركة، كجعفر الخليلي وعلي الوردي وحسين مروة وهادي العلوي وهاشم معروف الحسني، وهم أصحاب كتب ودراسات.

  ولربما أيقظت هذه المدرسة في باحث إيراني شاب روحاً نقدية ألهبت إحساسه الإسلامي، هو الدكتور علي شريعتي، ليصبح أخطر مفكر إيراني وشيعي يجاهر بفكرة المشاركة في تحديات خرجت من عقر حسينية إرشاد في طهران، وهو صاحب نظرية التشيع العلوي والتشيع الصفوي، وواضع أسباب الانقسام ومجذر رسومها وأصولها بظهور الدولة الصفوية عام 1500 ميلادية.

  ومن الإنصاف أن الصفويين لم يبتدعوا نظرية القطيعة، وقد كانت قائمة في مرويات محدودة لكن الصفويين نجحوا في أدلجة القطيعة ووضع مناهج خاصة بها في البحث التاريخي وثبتت لها القواعد القائمة على (الأدلة النقلية والبراهين العقلية) ووضعت موازنات لهذا المشروع، تحت تصرف أرفع العقول وأبهى الأسماء الفقهية في لبنان والعراق وإيران. ومنح فقيه الدولة الأول الشيخ علي الكركي صلاحيات الشاه، فصار حرامه حرام الدولة وحلاله حلالها. فعارضته المؤسسة الدينية في العراق والبحرين والإحساء والقطيف، واصطدمت بمعارضة كان طرفاها يختلفان في شرعية السلطان الصفوي ويتفقان في نظرية القطيعة، وإن كانت المعارضة أقل اندفاعاً في هذا الاتجاه، وأسلس روحاً وألطف عبارة. بينما دجج العلماء والمثقفون الصفويون القائلون بروح القطيعة الصارمة والأبدية، فنشروا المرويات الغريبة وأشاعوا الضعيف من الأسانيد. وكأنهم يستعيدون مرحلة مرت في التاريخ الإسلامي كانت الدولة الأموية تشتط بعيداً في هذا الاتجاه، وكأن التاريخ لا يبدو حيوياً إلا بتوازن السوء فينشأ تشيع صفوي وتسنن أموي.

  ومادامت الأكثرية العددية بين المسلمين والنوعية في البحث الأكاديمي التاريخي العام، منذ طبقات ابن سعد، تأخذ بنظرية المشاركة العلوية مع الإدارة العمرية لتصريف أمور الدولة، فكيف أتيح للقائلين بالقطيعة كالسيد العلامة كاظم القزويني في أحدث كتاب له هو الإمام علي من المهد إلى اللحد وضع فصل مستقل: إن الإمام علي كان جليس البيت، منذ وفاة النبي (ص) حتى وفاة عمر عام 23، للهجرة مسلوب الإمكانيات على حد تعبيره. بينما كانت جيوش المسلمين تدق أبواب أسيا القصوى وإفريقيا الشمالية؟.

  إن المنهج الصفوي يسعف العلامة القزويني بقواعد فقهية وإخراج رواية على لسان الإمام الصادق يخاطب أتباع أهل البيت، قائلاً: في حالة اختلاف الروايات واتفاق بعضها عند بعض الأئمة من أهل البيت:

  خذوا ما خالف القوم أو خالفوا ماوافق العامة.

  ولأن القوم المسلم قد أجمع على نظرية المشاركة العلوية في إدارة الدولة، وإلى جانبه روايات عن الأئمة، ومنهم الصادق وعن أهل البيت، ومنهم زيد بن علي، فالصحيح الصفوي هو الأخذ برواية القطيعة مادامت تخالف أهل السنة.

  وهكذا حسم النزاع ويحسم في قضايا الخلاف، فيكون إجماع المسلمين على أمر سبباً للشك في الرواية، والمطلوب الأخذ بما خالف القوم!.

  ولم يعد مما يقوي الشيعي القائل بالمشاركة،الاستشهاد برواية تقر حصول بيعة الإمام علي ومشاركته أبا بكر وعمر في إدارة الدولة.

  فمن الذي حرم الإمام علي من المشاركة في إدارة الدولة سوى القائلين بالقطيعة؟. وما المذموم في أصل فكرة المشاركة الصادرة أساساً من وعي عقائدي حميم إلا من يُعتم على دور الإمام المؤسس والشريك؟.

  إن فكرة الاعتزال إن لم تكن محرمة فهي لاتليق بالشريك المؤسس حامل أول لقب لفتى الإسلام.

  وفي ذات السياق تركزت الجهود الفكرية والفقهية والدعائية على ربط عمر بن الخطاب في التأسيس السفياني للدولة الأموية بتعيين معاوية والياً على الشام وتوزيع المناصب القيادية على صحابة قادمين من المعسكر السفياني أو من البيت الأموي، وهو الأمر الذي لاقى ويلاقي رضا الفريقين.

  فأهل السنة، وبحسب مبدأ وحدة الصحابة، وكون الإ

المزيد


أعزائي إليكم إطلالة المفكر العراقي الكبير حسن العلوي"عمر والتشيع" (5) فهل أدرك صفويو العصر الجديد؟؟؟

سبتمبر 19th, 2007 كتبها مهدي مصطفى نشر في , أسرار سياسية, تاريخ, تحقيقات سياسية, ثقافة, سيرة ذاتية, وثائق

(5)

مستطـرف الرعية

  هموم العقيدة والكينونة البشرية

  احترام الكرامة الإنسانية

  كان لعمر والٍ على الحيرة يكثر من الهزل، وقد حدث مرة، أن دعا رجلاً، فأمال عليه بالطعام والشراب، مادعا به، فمسح بلحيته، فركب الرجل من العراق إلى المدينة ليشكو عمر قائلا: لقد خدمت كسرى وقيصر فما أتى إليّ ما أتى في مُلكك. قال: وماذاك؟ قال: نزل بي عاملك فلان فأملنا عليه بالطعام والشراب مادعا به، فاحتبس الهزل فدعاني فمسح بلحيتي. فأرسل إليه عمر، فقال: هيه؟ أمال عليك بالطعام والشراب مادعوت به ثم مسحت بلحيته؟.

  والله لولا، أن تكون سُنَّةً ماتركت في لحيتك طاقة إلاّ نتفتها. ولكن اذهب فو الله لا تلي عملاً أبداً.

  وأبلغ عمر أن قائداً عسكرياً كان يجمع رجاله ويطلب إليهم أن يخبروه بكل ذنب أذنبوه، وهم يعترفون بذنوبهم طاعة له، فقال عمر: ماله لا أم له يعمد إلى ستر ستره الله فيهتكه؟ والله لا يعمل لي أبداً.

  وكتب عمر لرجل كتاباً بتعيينه والياً. فدخل الرجل عليه، فرأى بعض أولاد عمر في حجر أبيهم يُقبلّهم، فقال الوالي المرشح مستغرباً: تفعل هذا يا أمير المؤمنين؟ فو الله ما قبلّت ولداً لي قط!. فقال عمر: فأنت والله بالناس أقل رحمة، لاتعمل لي عملاً، وردّه، ولم يستعمله.. أي ألغى قرار تعيينه!.

  وعزل قائداً عسكرياً أمر أحد جنوده أثناء فتح فارس بالنزول إلى النهر في يوم شديد البرد لينظر للجيش مخاضة يعبر منها، فتوفي الرجل بعد دخوله الماء، وكان عمر يتجول في سوق المدينة حينما بلغه الخبر، فاستدعى أمير الجيش، ووبَّخه قبل عزله.

  إعفاء المعيل من خدمة العلم:

  أعفى عمر بن الخطاب المعيل الوحيد لأبيه من الذهاب إلى الجهاد إلا بموافقة أبيه، وكان قانون التجنيد الإلزامي العراقي قد أخذ بهذا المبدأ بإطلاق، واستمر العمل به إلى أن استلم السلطة الرئيس صدام حسين فعطّل هذا الاستثناء العُمري الخلاّب، ومازال العمل مستمراً به في نظام التجنيد الإلزامي السوري حالياً.

  وملخص الرواية أن شاباً اشترك في فتوح الشام تاركاً والده كهلاً عاجزاً، فالتقى مع عمر بن الخطاب وقرأ له أبياتاً كتبها إلى ابنه خراش.

  ألا من مبلـغ عنّي خراشـاً وقـد يأتيـك بالنبـأ البعيد

  ألا فاعلم خراش بأن خير الـ مهاجـر بـعد هجرته زهيد

  رأيتـك وابتغـاء البرِّدونـي كمخضوب اللبـان ولا يعيد

  فتأثر عمر وكتب بعودة خراش إلى أبيه وأمر بأن لا يغزو من كان له أب شيخ الا بعد أن يأذن له.

  أبو العيال يخاطبُ الذاهبين إلى الثغور:

  \" ولكم عليَّ ألاّ ألقيكم في المهالك ولا أجمركم \" أي أبقيكم مدةً طويلة \" في ثغوركم، وإذا غبتم في البعوث، فأنا أبو العيال. حتى ترجعوا إليهم \"

  ولأنه أبو العيال أصدر قراراً بنفي نصر بن الحجاج فاتن النساء، حرصاً على نساء المجاهدين. وهو يقول:

  \" لو سَلمني الله لأدفعنّ عن كل أرملةٍ بحيث لا تحتاج لأحدٍ بعدي.\"

  والأرملة كما هو المعروف عندنا، هي من فقدت زوجها، وكانت المرأةُ في العصور التي صُنعت فيه اللغة العربية تلتصق بالرمال عَوزَاً وفقراً لفقدِ مُعيلها فيعلوها الرمل… و تترمل!

  يجوع ما جاع الناس

  اشفق عليهم بسّري وعلانيتي مااستمرأوا الترف وما رددوا اسم عمر، وهم سلاطين الحاضر، الذين يتدللون على الزمان كما اشتهت شهواتها قبُّ البطون وحام على قول القائل، فإذا حاربوا فقراء شعبهم شهروا، عليهم سيفاً ينسبون لعمر، وادعوا شهادة لا يحفظونها حباً لعمر ضد الخارجين عليه! وعمر ألصق بمن وقع عليهم سيفه المسروق، واسمه المنتحل، وإلاّ فما الذي يجمع المترفين بجانب من شخصية عمر، وهم يرفعون لافتة شد الحزام على البطون في سنوات الحصار والجوع وعمر يجوع ماجاع الناس ولا يشبع بشبعهم.

  حدث بعدما اشتدت المجاعة أن جيء عمر بخبز مفتون بسمن، فدعا رجلاً بدوياً فأكل معه فجعل البدوي يتبع باللقمة الودك إلى جانب الصفحة، فقال له عمر: كأنك مقفر من الودك؟ وأجابه الرجل: أجل! ما أكلت سمناً ولا زيتاً ولا رأيت آكلاً له منذ كذا وكذا إلى اليوم. فحلف عمر لا يذوق لحماً ولا سمناً حتى يحيا الناس، وظل على هذا العهد حتى أذن الله فعاد المطر وزال عن الناس الجدب.

  وقد كان جاداً في هذا العهد كل الجدّ. قدمت عُكّة من سمن ووطبٌ من لبن، فاشتراها غلام له بأربعين درهماً، وذهب إليه الغلام فقال له: قد أبر الله يمينك وعظم أجرك. قدم السوق وطب من لبن وعكة من سمن فابتعتهما بأربعين. قال عمر: أغليت فتصدق بهما فإني أكره أن آكل إسرافاً. وأطرق هنيهة ثم قال: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسني ما يمسهم.

  قال عمر لرسوله الذي بعثه يلتقي عير الشام:\" أما ما لقيت من الطعام فمل به إلى أهل البادية. فأما الظروف فاجعلها لُحفاً يلبسونها، أما الإبل فأنحرها لهم يأكلون من لحومها ويحملون من ودكها ولا تنتظر أن يقولوا ننتظر بها الحيا. وأما الدقيق فيصطنعون ويحرزون حتى يأتي أمر الله بالفرج\".

  لم يبعث عمر جباته عام الرمادة ليقبضوا الزكاة، بل أخّرهم إلى أن ارتفع الجدب. فلما أطمأن الناس إلى العيش وكثرت عندهم مادته أمر الجباة أن يسيروا إليهم وأن يأخذوا من كل قادر حصتين: حصة عن عام الرمادة، وأخرى عن العام الذي بعده، وأن يقسموا إحدى الحصتين على المعوزين، ويقدموا عليه بالثانية. بذلك زاد في تخفيف الفقر عن الفقراء، ثم لم يرهق غيرهم ولم يحملهم ما لا طاقة لهم به.

  عزل المصابين بأمراض معدية

  رأى عمر امرأة مجذومة تطوف بالكعبة فقال لها: يا أمة لو تقعدين في بيتك لا تؤذين الناس فقعدت فمرّ بها رجل بعد ذلك فقال: إن الذي قد نهاك قد مات فأخرجي فقالت: والله ما كنت لا طيعه حياً وأعصيه ميتاً.

  أهدى أبو موسى الأشعري لامرأة عمر عاتكة بنت زيد طنفسة فرآها عمر عندها فقال: أنى لك هذه؟.

  فقالت: أهداها لي أبو موسى الأشعري، فأخذها عمر فضرب بها رأسها حتى نفض رأسها وطلب الأشعري وأوتي به وقد أتعب وهو يقول: لاتعجل عليّ يا أمير المؤمنين.

  فقال عمر: ما يحملك أن تهدي لنسائي ثم أخذها عمر فضرب بها فوق رأسه وقال: خذها فلا حاجة لنا فيها.

  يحفظ عروبة المسيحي حتى لا ينفّره من الإسلام:

  يقول محمد حسين هيكل في الجزء الأول من كتابه \"الفاروق عمر\" وإنما أصر نصارى بني تغلب على ألا يؤدوا الجزية إن كان في قومهم عزّ وامتناع يرون في أداء الجزية آية خضوع ومذلة لا تليق بهم ولا تتفق وما عرف الناس لهم من إكرام وكرامة. وكرامتهم وقوتهم هما اللتان جعلتا الوليد بن عقبة يريدهم على الإسلام ليكون لهم به قوة ومنعة. ولقد كان تشدد عمر معهم في أمر الجزية بادئ الرأي ثم قبول صدقتهم مضاعفة بعد مشورة الإمام علي بن أبي طالب، سياسة منه يحمد عليها، مع مخالفتها لموقف أبي بكر من أهل الردة، ومخالفتها لموقفه هو من أعدائه الأقوياء في فارس والروم. فبنو تغلب عرب، وكان عمر حريصاً على عزة العرب. ولئن أقام على نصرانيته منهم من أقام ليرجعن هؤلاء جميعاً إلى الإسلام ولو بعد حين. والرفق في هذا الموقف أبلغ. وقد دلت الأيام على حسن فراسة عمر وبعد نظره إذ نصرت تغلب المسلمين من بعد نصراً عزيزاً، وأيدتهم على أعدائهم في مواقف كثيرة.

  لم يكتف عمر بقبول الصدقة من هؤلاء النصارى! بل رأى أن ما بينهم وبين الوليد بن عقبة من خلاف قد يدفعهم إلى إخراجه فيضعف صبره فيسطو عليهم. لذلك عزله عنهم وأمر عليهم فرات بن حيان كيما يطمئن إلى استتباب الأمن واستقرار الطمأنينة في ربوعهم. تم ذلك كله في السنة السابعة عشرة من الهجرة فتم استقرار السلطان للمسلمين بالشام من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال.

  عهد عمر إلى النصارى في بيت المقدس

  \" بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيليا من الأمان: أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، إنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيليا معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيليا أن يعطوا الجزية كما يعطى أهل المدائن. وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص. فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيليا من الجزية ومن أحّب من أهل إيليا أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلى بيعهم وصلبهم فإنهم على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم أن يبلغوا مأمنهم. ومن كان بها من أهل الأرض فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيليا من الجزية، ومن شاء سار مع الروم ومن شاء رجع إلى أهله. فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية\". وختم عمر الكتاب بتوقيعه.

  سفط نهاوند

  عثر المسلمون في غنائم نهاوند على سفطين(*) مملوءين جوهراً نفيساً من ذخائر كسرى فأرسلهما حذيفة بن اليمان أمير الجيش إلى عمر مع السائب بن الأقرع، فلمّا أوصلهما له، قال:\" ضعها في بيت المال، والحق بجندك\".

  فركب راحلته ورجع، فأرسل عمر وراءه رسولاً يخّب السير في أثره حتى لحقه بالكوفة فأرجعه.

  فلما رآه عمر قال: مالي وللسّائب، ماهو إلا أن نمت الليلة التي خرجت فيها، فباتت الملائكة تسحبني إلى السفطين يشتعلان ناراً؟ يتوعدوني بالكيّ إن لم أقسمها، فخذهما عنّي، وبعهما في أرزاق المسلمين. فبيعا بسوق الكوفة

المزيد


أعزائي إليكم إطلالة المفكر العراقي الكبير حسن العلوي"عمر والتشيع" (4) فهل أدرك صفويو العصر الجديد؟؟؟

سبتمبر 19th, 2007 كتبها مهدي مصطفى نشر في , أسرار سياسية, تاريخ, تحقيقات سياسية, ثقافة, سيرة ذاتية, وثائق

(4) 

 

 

 

 

 

  ســيا سـته القُرشـــية

  السيادة منزوعة الحلاقيم

 

 

 

 

 

 

 

 

  عمـر وعثـــمان

  هما في المنهج السلفي واحد، وعند منهج القطيعة الشيعي واحد. لكنهما مختلفان في مناهج التحليل العلمي المستقل.

  لا أظن عثمان بن عفان مرَّ بأيام الفتوة ولا مرت عليه فترة الصبا، على مافيه من جاه ووسامة، ووجاهة الثراء والانتساب الارستقراطي،وكان وزنه الاجتماعي أرزن من أقرانه، وشخصيته أقرب إلى مسالك الشيوخ، فأضفى عليه ذلك هالة من الوقار في سن مبكرة.

  وبالمقارنة مع شخصية عمر ستبدو جلياً حيوية عمر التي رافقته إلى فجر اغتياله. كان عمر واحداً من أبناء البرية مشرباً بتقاليدها، وحياته متصلة بحياة الناس البسطاء. وهم يعيشون على سطح طبقي واحد، وحركته تشبه حركة الناس العاديين، وحركة عثمان تشبه حركة أبناء الأمراء، فرأى الناس في عمر بعد استخلافه صورة منهم، وقد قلص عمر المساحة بينه وبين الناس، ولم يكن سهلاً على عثمان أن يترسم خطى عمر، فيعسّ في الليل ويخفق بالدرة ويلتحف الرمل ويجلس على قارعة الطريق أو يقوم يهنأ بعيره بالقطران أو يعدو على قتبٍ باحثاً عن بعير ند من إبل الصدقة، أو ينفي شاباً وسيماً لأنه وسيم، ولايمر ببال عثمان أن يسأل عن طفل يبكي طارقاً باب أمه لمعرفة أسباب بكائه، ولا كان ممكناً لعثمان حتى مجرد التفكير بمسك ستارة معلقة على نافذة أحد ولاته فيمزقها.

  لقد نشأ كل منهما على إحساس طبقي واجتماعي وتربوي، فصار عمر الحاكم الوحيد في التاريخ، الذي ليس له معارضة سياسية أو سجون سياسية. أما جهازه الأمني فكان مخصصاً لمراقبة الأمراء والقادة والولاة ورجال السلطة ولا يخرج عنهم إلى الناس.

  أما عثمان، ففي القسم الثاني من خلافته تكاملت أسباب الدولة القائمة على فكرة التعالي كما يقول هشام جعيط في كتابه (الفتنة) الصادر عن دار الطليعة.

  ويرى أن عثمان كان في أعماقه مسكوناً بفكرة تعالي الدولة، المرتبطة بفكرة تعالي الله. وأنه لم يكن مجرد ألعوبة بين يدي مروان. لعله التقاط ذكي وسيكون ميسوراً لنا السؤال عما إذا كانت فكرة التعالي إذا ارتبطت بفكرة تعالي الله غائبة عن النبي وأبي بكر وعمر وعلي. وأغلب الظن أن فكرة التعالي هنا ترتبط بطفولة عثمان وارستقراطيته ولاصلة لها بغير ذلك. كان عمر بن الخطاب كاسباً، وكان عثمان تاجراً كبيراً تغني له النساء في تنويمة الأطفال.

  وكان تاريخ كل من عمر وعثمان مختلفاً في الجاهلية. إذ لم يذهب عثمان إلى حلبات الملاكمة ولم يشترك في سباقات الخيل، ولم يعرف عنه كثرة المشروب.

  وفي التحليل السيكولوجي، كان عثمان بعد إسلامه يعاني من أزمة وحرج اجتماعي، وكان في مأزق قيمي. إذ خرج وحيداً من بني أمية إلى الإسلام في أيامه الأولى، فخذل قومه، وكانت آيات القرآن تصب اللعنة على المشركين والمنافقين، والمسلمون يعرفون أسباب النزول ومن هو الفاسق والمنافق ومدى قرابته من عثمان. وكانت قبيلة عثمان تقود قريش في حروبها ضد الإسلام، وعثمان يمول الجيش الإسلامي بمعدات القتال والانتقال وإن بلغت أرقاماً ليس لغير عثمان بن عفان أن يسدد قيمتها.

  إن شعوراً كهذا لم يدخل إلى نفس عمر، فهو من حي متواضع من أحياء قريش، وقبيلته عدي لم يكن لها دور كبير في الحروب ضد الإسلام، وأن عمر نفسه أعطى جهده للدفاع عن معتقدات قبيلته، فلم يسلم في وقت مبكر. ولم يترك أقرباءه يقاتلون الجيش الذي انتسب إليه كما هي حال عثمان. حتى إذا أسلم لم يكن هو من أوائل الخارجين على قبيلته، وقد أسلم قبله ابن عمه زيد وأخته فاطمة. فليس لديه شيء من الإحساس بالذنب والإثم أو من عتاب الضمير فيما يتعلق بمرحلتيه الجاهلية والإسلامية.

  وكان من الطبيعي، وعثمان تحت ضغط هذا العامل النفسي، أن يعوض بني قومه عما فاتهم ليرضي نفسه قبل أن يرضيهم، فكان سخاؤه عليهم يوازي به سخاءه على الجيش الإسلامي. ولدى عثمان مسوغ. فأقرباؤه قد أعلنوا إسلامهم والإسلام يجب ما قبله.

  فتيسرت أو لعله هو الذي يسر الوسائل المادية والشرعية استناداً إلى موقعه وصلاحياته لتسيير المال وسواه لمن يعتقد أنه مطلوب ولو نفسياً لرد ماعليه من ديون أدبية أكثر منها مادية. ولم يكن عمر قد مرَّ بذات التجربة.

  ومن مخطوء الأحكام والتقويمات التاريخية شيوع القول بضعف عثمان، وكأنه لم يخلع ولاة قريش الأقوياء مثل المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص، وسيعد عثمان أكثر جرأة أدبية وقوة إرادة عندما يعين عبد الله بن أبي سرح والياً على مصر ووليد بن عقبة والياً على الكوفة ويعبر مشاهد ورسوماً لعمر فعطل قراره بإمساك قريش والصحابة الكبار عن مغادرة المدينة، والانتشار في البلاد المفتوحة، وفتح أمامهم آفاقاً جديدة.

  ومنعت عثمان عن النزول إلى الإحياء والصفق في الأسواق نزعة ارستقراطية بتعبيرنا المعاصر، تقابلها نزعة شعبية لعمر هيأته لسن قوانين في الضمان الاجتماعي ورعاية الأطفال الرضع ومنع الاجتماعات السرية.

  كان عمر من طبقة أو من حي بلغة العرب هو دون حي أمية، وكانت له أعرافه وملاعبه وكان عثمان ينحدر من سلالة لها أعراف صارمة وليست لها ملاعب مفتوحة.

  الإسلام وقريش:

  خرج منها الإسلام إلى العالم وخرج عليها وخرجت عليهِ، وحين قرر النبي الهجرة التحق منها نفر معدود وعاد إليها بعد ثماني سنوات وعديد جيشه الألوف، فخُيّل لبعض أنصاره أن فتح مكة سيكون نهاية قريش فيما كان الفتح بدايتها الجديدة ونَصرها المؤزر (وهي المكسورة) وخيوط حلمها في دولة ليست لأوثان الكعبة بل على أرض الجزيرة بمشاركة خاصة ورقابة صارمة من السماء والحاكمون هُمُ هُمُ.

  والخلافة في قريش، وهذا بعض سرِّ مما وراء قرار القائد القرشي حامل المهمة السماوية والمكلّف الإلهي، بإصداره عفواً عاماً عن مقاتليها وزعيمهم، ولم يستثن سوى أحد عشر رجلاً وجدوا طريقهم فيما بعد إلى الحرية وصوت النبي يعلو والفرح يملأ قلبه…لا يُقتلُ قرشيٌ صَبراً بعد اليوم.

  ومنذ الهجرة والكتاب المنزل يقدّم المهاجرين في تسلسل الآية قبل الأنصار.

  ولم يهجرُ النبي انتسابه القرشي في محتدم الصراع مع قريش، فيسأل شاعره حسان بن ثابت… كيف تهجو قريشاً وأنا منها؟.

  فيقول حسان: أَسلُّكَ كما تَسِّلُ الشعرة من العجين يا رسول الله.

  وفي نفس النبي لو كان هذا العجين بلا شعرة. صافياً للإسلام. وقد تحقق ذلك في فتح مكة.

  إن قريشاً لاتُحشَرُ في مصنفات القبائل، وهي شعبٌ مترامي الأحياء والبيوت ينفرد بخصائص لم تتوفر لغير شعب قريش في الجزيرة، وتقوم على المهارة في السياسة والاقتصاد. وتحتاج السياسة إلى الدبلوماسية، فإذا أخفقت كانت الحرب وقريش تعرف هذا الفن وذاك.

  وهي في اقتصاد الجزيرة مثل وول ستريت في أمريكا والِستي في لندن.

  وشخصية القرشي أميلُ إلى الواقعية بفعل السياسة والاقتصاد وأفصح في التعبير عما يسمى بالبراغماتية مع شيء من الوعي الاستراتيجي والقدرة على التكيف والتأقلم مع الواقع.

  وهذه من خصائص التُجار، وقد يُفسّر منحى قريش هذا أنها كانت تفتقر إلى الشعراء، وأن أبناءها لم يُهيموا لا في وادي عبقر ولا في وديان عذرا.

  فإذا ظهر منهم شاعر كبير كعمر بن أبي ربيعة بعد عقود، كان الرجل زعيم الواقعية في الغزل.

  إن الإسلام وُلِدَ في قريش، لكنها لم تكن الحاضنة الأوفى، مثلما كانت الأوس والخزرج وقبائل المدينة، فإذا انتصر الإسلام حصدت، وهي الخاسرة، ثمار الانتصار.

  إن قريش منذ فتح مكة وتحوّل زعمائها وقادتها إلى الإسلام صارت المالك الرسمي للمركز الأول في الدولة. لا يقترب من هذا الموقع قرشيٌ غير مُعتقد بحق الأرومة، حتى أقرّ عُمر وهو في منعطف تأسيسي بعد وفاة الرسول وثيقة خطيرة بإعلان سيادة قريش في الدولة الإسلامية والخلافة فيها وليس في غيرها.

  أمّا الإمام علي، وهو من زعماء قريش وفرعها الأسلم بني هاشم، فقد استوعب معنى العفو المحمدي عن قريش بعد فتح مكة، لكن قريش لم تستوعب رؤيته على منصة الزعامة.

  ومما ساعد قريشاً في استرجاع مكانتها إلى جانب العفو النبوي تلك القاعدة الفريدة في الإسلام الذي يجب ما قبله. أي يدفن ماضي المسلم ليس في حفرة بل في جُبٍ عميق وتدفن معه موبقات الفعل والقول وأدوار وصراعات، فقطع النبي على مجتمعه الجديد أية محاولة لتذكير بعضهم بتاريخ بعض.

  أما علاقة عمر الخليفة بقريش فقد اتجهت نحو منحىً آخر، فبعد قرار منع السفر الذي أحال بين رجالها والانتشار في البلاد المفتوحة حُلماً في بناء إقطاعيات ومراكز تجارية، مما يضعف قوة المراكز في دولة مترامية الأصقاع وفي آليات اتصال بدائية، توترت العلاقة بين عمر وقريش، فوقف في منفذ حدودي هو شِعب الحرة قائلاً: إنه سيأخذ قريشاً من حلاقيهما.

  وكان رد قريش عليه بالفخر في انتسابه لحيٍ متواضع منها وعدم مشاركة قبيلته عدي بدور كبيرٍ في الحروب، وهي تعبّر عن نيةٍ غير صافية عندما تكنّيه بابن حنتمة بأحاديثها الخاصة.

  ذكرنا أن عمرو بن العاص بعد فتحه مصر قد تعرض لمساءلة ماليّة، وكان مندوب عمر إليه محمد بن مَسلمة، فاستكثر ابن العاص ذلك، فغمز عمر قائلاً: كنت أراه وأباه وعلى كل واحدٍ منهما عباءة قطوانية لا تستر ركبتيهما، وكان العاص بن وائل (والده)على مزرارة الديباج.

  وكان آخرون يكررون عليه كلاماً مشابهاً: فقد كنت وضيعاً فرفعك الله، وراعياً فحملك على رقابنا.

  إن انتقادات قريش لعمر لم ترتفع نبرتها بعد إعلان إسلامه، وإنما بعد إعلان خلافته.

  أمّا موقفهما من الإمام علي فقبل استلامه الخلافةِ وبعدها. لاسيما وقد مال نحو أحياء وقبائل لم يكن لها نفوذ قريش.

  كان عُمر يستخدم طريقتين لم يشأ الإمام علي السير فيهما. رغم أنه لم يعترض عليهما، ينقل طه حسين في (الفتنة الكبرى) حواراً بين الإمام علي وعثمان يحتج فيه الإمام على تقريب الأخير أقرباءه في الإمارة والولايات، فيقول عثمان لعلي: إن عمر ولّى المغيرة بن شعبه على الكوفة والبصرة، وولّى معاوية على دمشق، فقال له الإمام علي: إن عمر كان يراقب ولاته ويخيفهم وإن ولاتك يستبدون بالأمر من دونِك.

  وعندما قيلَ: إن الإمام علي عيَّن ثلاثاً من أبناء عمه ولاةً قال طه حسين: إن سيرة علي مع ولاتهِ من بني عمه هي سيرة عمرُ، فكان شديداً عليهم، مراقباً لهم، لا يتحرج عن عزلهم إن قصرّوا. على حين لم يعزل عثمان والياً من بني أمية وآل أبي معيط إلاّ حين أكرهته الأمصار على ذلك.

  كان هدف عمر تطويع قريش بإشراكها في إدارة ال

المزيد


أعزائي إليكم إطلالة المفكر العراقي الكبير حسن العلوي" عمر والتشيع" فهل أدرك صفويو العصر الجديد؟؟؟

سبتمبر 19th, 2007 كتبها مهدي مصطفى نشر في , أسرار سياسية, تاريخ, تحقيقات سياسية, ثقافة, سيرة ذاتية, وثائق

 

 

 

 

(1)

 

 

النص الكامل لكتاب  المفكر العراقي الكبير حسن العلوي :

 عمر والتشيع ..ثنائية القطيعة والمشاركة

 

  إلى ابن أعظمية النعمان بن ثابت إمام الساحل الشرقي

  عثمان بن علي العبيدي

  إليه رجلاً أنقذ سبع أرواح من الموت غرقاً من بين الحشود التي سقطت في النهر على طريقها إلى إمام الساحل الغربي

  وعند الثامنة تعانقت الروحان وهبط الجسدان معاً تحت مياه الجسر المشترك.

  وحسبك أنك حبر هذه السطور.

 

  ?

  حسن العلوي

  دمشق ـ الشام 1/1/2007

 

 

  تدافعت حشود عابرة على جسر في بغداد لإقامة المهرجان السنوي لذكرى استشهاد الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق المدفون في مقبرة خصصها لقريش أبو جعفر المنصور عام 150 للهجرة، سميت بمدافن قريش، فدفن فيها ابنه ثم الإمام موسى بن جعفر وحفيده، وعندما توفي الإمام أبو حنيفة النعمان دفن في مقبرة الخيزران، على الجانب الشرقي من دجلة، وهي لعامة الناس، فسميت الأولى بالكاظمية نسبة إلى الإمام الكاظم على الساحل الغربي، وسميت الثانية بالاعظمية نسبة للإمام الأعظم أبي حنيفة، وعلى الجانب الشرقي من دجلة، خرج الشاب عثمان العبيدي، وهو من السكان الأصليين، فرمى بنفسه إلى النهر سبع مرات، أنقذ في كل مرةٍ طفلاً أو رجلاً أو امرأةً شيعية، وفي المرة الثامنة أمسكه الغريق وقد أرهقه التعب، وخارت قواه، فلم يقدر على حمله إلى الشاطئ، وغرق عثمان بثقل من كان يستنقذه!.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  أول الكـــلام

  عابور النهر وصاعود المألوف

 

 

  

 

  الكرادة والكتاب

  ما لابن السبعين مرميّاً إلى العباب مختاراً، وأكثر من نصفه معطل عن العمل؟

  لماذا لا يركن إلى دعة الضيعة عند أصغر صغاره، أوفي دمشق الشام وأكبر كباره، وبينهما ثلاث يتقحمّن الحياة بعد الجامعة بشجاعة العالم؟.

  ما الذي يغريه في تعب المواجهة وهو في هذه السن؟.

  أقول: لو كان الأمر بيدي لركنت إلى صُلبي وسكينتي، لكنّي خلقت غير مُوادع ولامُساكن، والأمر أمر ضاحية الكرادة وبساتينها التي ولدتُ وترعرتُ فيها على ضفة دجلة اليمنى، حيث هي اليوم بساتين المنطقة الخضراء.. والحياة على ضفاف الأنهار والمغامرة صنوان، فأنت صاعود نخلة عيطاء في الخامسة، وعابور دجلة سابحاً في العاشرة، وقاحوم ليل البساتين التي لم تعرف نور الكهرباء إلا في السنة الأخيرة من الدراسة في ثانوية الكرخ. وأشجار البساتين حرة وشبه مشاعة، وكان أيُّ منا ينتقل في لحظات من قعر النهر إلى قمة نخلة مترامية في السماء، أو فوق غصن توت. ولنا القدرة على التقاط الناضج، وانتظار موسمه الذي نعد أيامه على الأصابع.

  كان النهر مصدر التحدي.. يأكل منا بعضنا ونأكل منه جميعاً. وبواسق النخل تتحدى قممنا الصغيرة، وكان علينا أن نعانق قممها فنصعد وتصعد الأيام، فإذا جَرَفَ النهر شقيقاً عُدنا إليه وكأن من ذهب كان قرباناً يضحي به الصيف للنهر الذي فقد نصف قوته. فإذا سقطتُ من أعلى نخلة، فقد سقط جدي وخالي، ولا يموت من يسقط من فوق نخلة. ولم نعرف سرّ هذا السر؟.

  لا أظن الأمر قد اختلف عليَّ كثيراً. والإبحار لم يكن في المجهول. ولاشيء مجهولاً في بساتين الكرادة حتى مكامن الأفاعي ومتارب العقارب، فلم يحدث أن لدغ أحدنا وهو شبه حافٍ في ليلٍ دامس يبحث في البستان عن شيء في لعبة الليل، بل المخاطرة وأكبر المخاطرة أن تعبر المألوف الاجتماعي أو تصعد فوقه وهنا الشجاعة والإقدام.

  أظن الكتاب أصبح مفهوماً،.. سباحة فوق نهرٍ عريض وصعودا على جذعٍ طويل، وبحثاً في بستان الأفاعي والعقارب عن مفقودٍ بين البساتين والماء.

  أما صاحب الكتاب فكان من ذلك كله وهو فوق ذلك كله، لم يأنس العيش في مقطع زمني حددته له الأقدار، وأقعدته فيه العقائد، فصار ابن الكرادة المفتوح على الماء والسماء والمتحرك مابين قعر النهر وقمة النخلة كاتباً، وكان لابد إلاّ أن يكون هكذا مفتوحاً على ثلاثة أجيال وسبعة أطياف.

  فإذا هَرُم جيل فله جيلان. وإذا نكث طيف فعنده الأطياف الستة.

  وسلامٌ على النخل ذي السعفات الطوال وسلامٌ على التشيّع.

  وعلى ابن حنتمة ألف سلام.

 

  حسـن العلـوي

  بغداد - الكرادة

  26/7/2006

 

 

 

 

 

 

  ثنائية الكتاب

  هذه كتابة حرة مفتوحة الاتجاهات في عمر بن الخطاب، وفي سياسة الخطاب الشيعي إزاءه، ولا أبتغيها كتاباً موصد الأبواب، وبحثاً مشروطاً مكبلاً بسلاسل الايدولوجيا وشروط الانتماء. وهي في ناتجها كتابة تاريخية في إشكال سياسي راهن، نطل منها على الطوفان العراقي، في وقت ختم الخاتم أن لا نبي بعده، ولا أمل لتقي في دعاء نوح المستجاب، ولا سفينة للنجاة ولا جبل يعصمنا، حتى الجودي مغمورٌ تحت طوفان الدم، وماء الأهوار يغور، وليست في مستوطنة الطيور السومرية مهاجرات قادمات من أقاصي الهند في طريقها إلى أقاصي أوربا.

  والعراق منقسم على ثنائية عمر وعلي، التي تسلّكت في قنواتها السرية إلى السياسة الدولية، منذ مطلع القرن الماضي، فيخطط إستراتيجيون بريطانيون طريقهم إلى البصرة آملين كسب المنبوذين الشيعة في الحرب على الأتراك السنة.

  وتغير الحرب الأمريكية على دولة الفقيه الشيعي، الذي حجز في طهران على موظفي أكبر سفارة أمريكية في خليج العرب والمنطقة. ليكون العراق وليس باكستان وتركيا السنيتان والحليفتان مكان الإغارة في حرب تستمر ثماني سنوات، فتتخم أسماك نهر كارون وشط العرب بلحوم الجنود قبل أن يحين الوقت المجهول لحرب أمريكية على السنة. فجاءهم الغيث من كهوف طورا بورا وهجوم تنظيم القاعدة على نيويورك بطائرات مدنية قطرت الرؤوس العليا لمعماريات مانهاتن قبل انهيارها مع ثلاثة ألاف أمريكي أعلن عن هلاكهم في الهجوم.

  وكان المتوقع، وقد حددت الولايات المتحدة الأمريكية، مساقط رؤوس المهاجمين، أن تبدأ الحرب الأمريكية على السنة في بلد هم فيه أغلبية مطلقة. لكنهم وجدوا في العراق موطناً للحروب لا يضيق بحرب أمريكية رفضت تركيا اندلاعها على أرضها وكذا الباكستان والسعودية ومصر رغم اختلافها السياسي مع شيعة إيران، ولا بحرب أمريكية على سنة العراق سترفض دول العالم الإسلامي والعربي وهي سنية بالإجماع الاستسلام لها. لكن ثنائية علي وعمر، شكلت جاذباً لوجستياً مغرياً ومضمون النتائج يوفر المناخ الصالح لحروب البيت الأبيض على الشيعة والسنة وحروب الباب العالي وغريمه الصفوي، مادام قصر يلدز حافلاً بحروف عمر المنقوشة على جداريات القصر، ومادام شاه تبريز قد أقام مصنعاً للكاشان الممهور باسم عليًّ، وستجد السياسة البريطانية وحليفتها الأمريكية، ما وجده الشاه والسلطان شعباً في بغداد يهلل للمنتصر على ساحلها الغربي وشعباً يستقبل الشاه المنتصر، وقد وسع في الصحن الشريف غرفاً جديدة بعد أن قذف على الساحل الشرقي جثثاً ضاقت بها بساتين الأعظمية. أما أسماك دجلة، فلم تعد تأكل صغيراتها، ففي ثنائية عمر وعلي، الأسماك تأكل البشر، مابين بغداد وخرّم شهر، ومابين القرن العاشر والقرن العشرين.

  هو ذاته حقل اهتمامنا التليد يأتيك طارفاً وطرياً في كتب ربع القرن الأخير.

  ففي الشيعة والدولة القومية عالجنا ثلاث قضايا أساسية: أولها تعجيم الشيعة بما يجعل العرب في العراق أقلية أمام الأكثرية غير العربية، لو نجح مشروع التعجيم هذا، وبإبطالنا تعجيم الشيعة إنما ندعو لأغلبية عربية تحفظ الوجود القومي في العراق.

  والثانية أن كتاب الشيعة والدولة القومية، يستهدف نقد تمذهب الدولة، وظهور مذهب حاكم يستأثر بالسلطة وامتيازاتها، ومذهب محكوم ومحروم في دولة واحدة، تطرح خطاباً

المزيد