سينما الواقع تعود إلى الصالات مطالبة بالتغيير

لقطة من فيلم «في وادي إيلاه»
هوليوود مستنفرة. والأفلام الآتية من هناك هذا الخريف تؤكد أن فناني أميركا يشعرون بوقوف بلادهم على مفصل تاريخي خطر، لا يستطيعون تجاهله والبقاء كالمتفرجين على مزالقه. لذلك فإن الأفلام الأميركية هذا الموسم تنزل بثقلها إلى الصالات رافضة الحرب، داعية إلى إنقاذ الجنود الأميركيين من مستنقعات الموت والاختناق. الاستوديوهات تشهد تصوير عدد قياسي من الأفلام يناهض الحرب ويدعم الديمقراطيين في مسعاهم الانتخابي للوصول إلى البيت الأبيض أملاً في التغيير. وما كانت تنجزه هوليوود في ثلاث سنوات اصبح ممكناً في سنة واحدة، بسبب هذه الفورة ضد الحرب والموت والدمار. انها «سينما الواقع» تعود بقوة وزخم حاملة مشعل قضاياها، تاركة الفانتازيا جانباً، طالما ان الواقع هذه الأيام، بات أكثر غرابة من الخيال.
بدأت قاعات السينما الفرنسية اعتباراً من 7 نوفمبر الجاري، عرض فيلم هوليوودي جديد بعنوان: «في وادي ايلاه». يحكي قصة مفتش الشرطة المتقاعد هانك ديرفيلد (تومي لي جونس) الذي يفقد ابنه الجندي المتطوع في العراق في ظروف غامضة، تجعله يقرر التحقيق بنفسه في القضية، بمساعدة مفتشة مباحث شابة. يكتشف الأب بعد مغامرة مضنية، المعاناة النفسية التي كان يعيشها ابنه في العراق ومسؤولية المؤسسة العسكرية الأمريكية عن مصرعه. فيصاب هانك، الذي يجّسد صورة المواطن الأمريكي المحافظ، بخيبة أمل كبيرة، وتنهار من حوله كل المبادئ والقناعات التي كانت تجعله يأمن العيش في وطن يدافع عن الحرية والديمقراطية.
الفيلم الذي ترشحه الأوساط الفنية لجائزة الأوسكار، ليس سوى بداية موسم حافل بالأفلام الملتزمة التي تتناول بالنقد الشديد سياسة البيت الأبيض وحكامه الذين ورطّوا الولايات المتحدة في حرب عنيفة تحت شعار «محاربة الإرهاب». فبعد صيف وسمته أفلام الخيال والترفيه، حصدت أرقاما قياسية في المداخيل: كفيلم «سبيدرمان»، «قرصان الكاريبي» و«شْرَاكْ»، تعود قاعات العرض الأمريكية منذ بداية هذا الخريف إلى عرض أفلام من واقع المجتمع الأمريكي، تركز على الحربين في العراق وأفغانستان. هذه النتاجات لم تكتف بابتعادها عن التطبيل والشعارات التي تعظّم الوطن ومؤسساته العسكرية فحسب، بل جاءت شديدة النقد، تشير بأصابع الاتهام لإدارة بوش التي تسببت في إقحام شباب امريكي في حروب عنيفة، ليس لهم فيها ناقة ولا جمل.
يُعَرف إدغار موران، الفيلسوف الفرنسي سينما الواقع التي تنتمي إليها هذه الموجة من الأفلام بأنها «ذلك التيار السينمائي الذي يدعي أولاً أنه يساعد على رؤية الحقيقة وثانياً أنه يطرح إشكالية الواقع ويحاول تغييره». سينما الواقع التي تعتبر نوعا من السينما الملتزمة الهادفة، تُعّرف أيضا بكونها «فناً تصويرياً يحمل رسالة معينة، وينقل شهادة جديدة تسمح بتوسيع دائرة النظرة الشخصية لبعض القضايا. كما أن المخرج الواقعي هو الذي يسبح عكس التيار ليقدم وجهة نظر مخالفة لرأي الأغلبية، فيطرح قضايا محرجة ويتناول أموراً قد تعتبر من المحظورات». وقد ظهرت اول الإنتاجات في الولايات المتحدة في ستينات القرن الماضي، حيث كان المجتمع يعيش طفرة اجتماعية واقتصادية، جعلته يفقد توازنه ويعيد حساباته في كثير من المبادئ كتمجيد الليبرالية وطغيان النزعة الفردية، رغم ان بعض الأفلام القديمة كـ«الدكتاتور العظيم» 1938 للعبقري شارلي شابلن يعتبر هو الآخر ضمن هذا الصنف السينمائي.
عودة قوية للفيلم السياسي
* هذا الرجوع الذي عرفته النتاجات الهوليودية للواقع والأحداث بكل مقاييسها المأساوية والتناقضي













